فهرس الكتاب
و منهم أيضا -أي الذين اعتمدوا على الوجدان- الصوفي عبد الكريم بن هوازن القشيري الأشعري (ت 465ه) ، فقد ذكر ابن الجوزي إن عبد الكريم القشيري قال: (( حجج الصوفية أظهر من حجج كل أحد ، و قواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب ، لأن الناس إما أصحاب نقل و أثر ،و إما أرباب عقل و فكر ، و شيوخ هذه الطائفة -أي الصوفية- ارتقوا عن هذه الجملة ، و الذي للناس غيب فلهم ظهور، فهم أهل الوصال ،و الناس أهل الاستدلال ) ) (1) .
و قوله هذا يُشبه ما قاله الغزالي ، لكنه أشمل و أخطر منه ، لأنه قدّم منهجه على النقل و العقل في كل أبواب المعرفة ،و لم يخصه بمسألة الصفات كما فعل الغزالي ، فقد حدد مصادر المعرفة في: النقل ، و العقل ، و الوجدان ، و جعل المعرفة الصوفية الوجدانية ، أرقى مصادر المعرفة ،و أهلها أحسن الطوائف . و قد عقّب عليه ابن الجوزي بقوله: (( من له أدنى فهم يعرف إن هذا الكلام تخليط ، فإن من خرج عن النقل و العقل فليس بمعدود في الناس ،و ليس أحد من الخلق إلا و هو مستدل .و ذكر الوصال حديث فارغ ، فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين و الأشياخ ) ) (2) . و قول القشيري هذا خطير جدا ، ينتهي بمن يأخذ به إلى إبعاد الشرع ،و تعطيل العقل معا ، ليعبد الله -بعد ذلك- على هواه ، فلا يفرق بين الحلال و الحرام ،و لا بين ما يجب لله و ما لا يجب له ، فيضل و يُضل و يصدق عليه قوله تعالى: (( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) )-سورة القصص/50- .
(1) ابن الجوزي: تلبيس إبليس ، ص: 246 .
(2) ابن الجوزي: تلبيس إبليس ص: 246 .