الصفحة 159 من 242

و لا شك إن الخبر المتواتر أقوى بكثير من خبر الآحاد ، لكن هذا لا يعني رفض خبر الآحاد مطلقا ،و إنما المطلوب منا هو إخضاعه للتحقيق إسنادا و متنا ، فإن صحّ قبلناه ،و إن لم يصح تركناه ، و من ثمّ فإنه لا يصح أن يُقال إن خبر الآحاد لا يُفيد العلم مطلقا ، و إنما يُقال هو حسب الدليل الدال عليه. و هؤلاء الرافضون لخبر الآحاد متناقضون مع أنفسهم ، فهم في الوقت الذي يرفضونه ، يقبلون كثيرا من مقالات شيوخهم و علمائهم التي رواها آحاد الناس ، و قد يُعارضون بها ما جاء في الشرع الحكيم و يُقدّسونها ،و هذا انحراف خطير ، فليس من العقل أن يتقدم الإنسان على خالقه ، و إنما العكس هو الصحيح ، و هو أن يقدم النقل على العقل ، و ما على العقل إلا التسليم المطلق للشرع و الالتزام به ، دون تقدم عليه ، بلا منازعة ،و لا منافسة، و لا مزاحمة ، و هذا الموقف هو العقل بعينه . و أما ما يُثيره أدعياء العقلانية ، من شبهات حول ما قررناه ، فهي مجرد أوهام و ظنون ،و أهواء و تلبيسات و فقاقيع ، لا تصمد أمام حجج العقل الفطري السليم المنوّر بنوري الوحي و الفطرة .

و بذلك يتبين لنا إن المبرر الذي اعتمد عليه الأشاعرة في تقديمهم للعقل على النقل ، هو مبرر غير صحيح ، لكنهم مع ذلك أخذوا به و أوصلهم إلى التقدم بين يدي الله و رسوله في مسألة الصفات ، و دخلوا بسب ذلك في نزاع عقدي حاد مع أهل الحديث خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت