الصفحة 160 من 242

و للكاتب جلال محمد موسى رأي مفاده إن الحنابلة كانوا هم السبب في توسع الأشاعرة في استخدام العقل و إعطائه الصدارة ، و في اقترابهم من المعتزلة و انكماش النص عندهم ، لأنهم-أي الحنابلة- (( بالغوا في إجراء النصوص على ظاهرها ، فأصبحوا هم و المشبهة و المجسمة سواء ) ) (1) .و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ، لأن السبب الرئيسي في توسع الأشاعرة في استخدام العقل على حساب النص ، ليس ما ذهب إليه هذا الكاتب ، و إنما هو طبيعة المذهب الأشعري نفسه ، لأن مؤسسه أبا الحسن الشعري هو عقلاني بالدرجة الأولى ، و قد عاش على الاعتزال عمرا مديدا ، ثم عندما تخلى عنه لم يتخلّص من شوائبه نهائيا (2) ، و هو و أصحابه يُقدمون العقل على الشرع في مسألة الصفات ، و هو أيضا يُحبذ الاشتغال بعلم الكلام و له في ذلك رسالة: استحسان الخوض في علم الكلام (3) . كما إن في مذهبه مسائل غامضة تتعارض مع ظاهر الشرع (4) ، دفعت أتباعه من بعده إلى التوسع في استخدام العقل لشرح تلك المسائل و الدفاع عن مذهبه . كل ذلك جعل المؤرخ أحمد أمين يقول عن المذهب الأشعري: (( فنحن إذا انصفنا قلنا إن مذهبه هو مذهب المعتزلة معدلا في بعض مسائله ) ) (5) .

(1) جلال محمد موسى: نشأة الأشعرية و تطورها ، ط 1 بيروت دار الكتاب اللبناني ، 1975 ص: 202 .

(2) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ، حققه محمد رشاد سالم بيروت مكتبة دار العروبة د ت ج 2 ص: 205 .

(3) الزركلي: الأعلام ج 5 ص: 69 .

(4) كمسالة الكلام النفسي ،و نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله ،و إنكار الحكمة و السببية و قد تم التطرق لهذه المسائل في الفصل الثالث .

(5) احمد أمين: ظهر الإسلام ط 3 مصر مكتبة النهضة المصرية ، 1964 ج 4 ص: 65 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت