فهرس الكتاب
ثم بعد ذلك فمن الجائز أن يكون بعض علماء الأشاعرة ، قد بالغ في استخدام العقل و تأويل الصفات ، كرد فعل معاكس لمواقف بعض علماء الحنابلة الذين بالغوا في إثبات الصفات . كما إن جلال موسى قد تحامل على الحنابلة و افترى عليهم ، عندما اتهمهم بالتشبيه و التجسيم ؛ و قد سبق أن بيّنا إن الغالبية العظمى من علمائهم يثبتون الصفات دون تشبيه و لا تأويل (1) .و إجراء هؤلاء للنصوص على ظاهرها لا يعني التجسيم على ما فهمه الكاتب ؛ وإنما المقصود منه هو إثبات الصفات الواردة في الآيات و الأحاديث الصحيحة ، مع الاعتقاد بمغايرتها لصفات المخلوقين ، و بمعنى آخر هو إثبات وجود لاخوض في الكيفية ، و واضح إن الكاتب نظر لمسألة الصفات من منظور الأشعرية ، فرأى في إثبات الحنابلة و أهل الحديث للصفات الخبرية تشبيها و تجسيما ،و هذا غلظ فاحش، لأن الإثبات لا يستلزم التشبيه و لا التجسيم ، إلا إذا أثبتنا صفات الله و قلنا إنها تشبه صفات مخلوقاته ، و هذا لا يقوله الحنابلة و لا أهل الحديث ، كما سبق أن بيناه مرارا .
و ختاما لهذا المبحث يتبين إن تأثير الأزمة العقدية- التي عصفت بأهل السنة- على القضايا الفكرية العقيدية ، كان عميقا و شديدا ، تركّز أساسا على مسألة صفات الله تعالى ، و ما يتعلق بها من الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى ، فخاض- من خلالها- أهل الحديث و الأشاعرة معارك فكرية مليئة بالردود و المجادلات العلمية الحادة .
ثانيا: مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على الإنتاج الفكري:
كان للأزمة العقدية- التي عصفت بالمذهب السني - تأثير كبير على الإنتاج الفكري السني ،، لأنها دفعت الأشاعرة و أهل الحديث إلى الاهتمام أكثر بتصنيف الكتب ، و كتابة الرسائل و الخطابات ، خدمة للمذهب ،و دفاعا عنه ، و ردا على الخصوم .
(1) انظر المبحث الأول من الفصل الثالث .