فهرس الكتاب
تعرّض بعض علماء أهل السنة-من الطائفتين- لمحن و أزمات فكرية حادة ، بسبب الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ،و اشتداد النزاع المذهبي بين الأشاعرة و أهل الحديث ، فمن ذلك أولا ما حدث للفقيه والد إمام الحرمين أبي محمد بن يوسف الجويني (ت438ه) ، فقد حكى عن نفسه ما حدث له من قلق و اضطراب و حيرة ، في مسألة صفات الله تعالى ، فذكر إنه كان متحيرا برهة من الدهر في ثلاث مسائل ، هي: مسألة الصفات ، و مسألة الفوقية -أي العلو- ، و مسألة الحرف و الصوت في القرآن الكريم ، فوجد نفسه مضطربا أمام الأقوال المختلفة التي تتجاذبها ثلاثة تيارات أساسية ، هي: التأويل ، و التعطيل، و الإثبات (1) .
ثم ذكر إنه لم يُعجبه ما يقوله شيوخه الأشاعرة الشافعية في تأويلهم لبعض الصفات ،و إنكارهم تكلم الله بحرف و صوت ، و قال إنه إذا نظر للكتاب و السنة وجدهما يُثبتان ذلك ،و إذا نظر لشيوخه وجد لهم في قلبه مكانة ، فهم شيوخه الذين لهم عنده مكانة عالية لفضلهم و علمهم ، لكنه مع ذلك وجد في نفسه حزازات من تأويلاتهم ،و لم يطمئن إليها قلبه ،و وجد منها الكدر و الظلمة ، و ضيق الصدر و عدم انشراحه ، فأصبح (( كالمتحيّر المضطرب في تحيّره ، المتململ من قلبه في تقلّبه و تغيّره ) )، و كان من جهة أخرى يخاف على نفسه الحصر و التشبيه إن هو أثبت الاستواء و العلو و النزول (2) .
(1) الجويني الأب: النصيحة ، ص: 18 و ما بعدها .
(2) نفس المصدر ، ص: 9-10 .