الصفحة 183 من 242

ثم حكى عن نفسه بقوله: (( فلم أزل في هذه الحيرة و الاضطراب من اختلاف المذاهب و الأقوال ، حتى لطف الله ، و كشف لهذا العبد الضعيف عن وجه الحق ، كشفا اطمأن إليه خاطره ، و سكن إليه سره ، و تبرّهن الحق في نوره ) )، و ذكر إنه لم يتخلّص من حيرته و قلقه و اضطرابه ، إلا بصدق الطلب ،و التجرّد من الهوى و التعصب المذهبي ،و تجاوز الشيوخ ، ثم التدبر في القرآن و السنة بعقل متحرر من التعصب طلبا للحق (1) .

و ثانيا حالة الفقيه أبي محمد بن حزم الأندلسي (ت456ه) ، كان مخلطا حائرا في مسألة صفات الله تعالى ، يفتقد إلى الانسجام الداخلي مع نفسه و فكره ، فهو مع نفيه للقياس الجلي و الخفي في الفقه ، كان من أشد الناس تأويلا لآيات و أحاديث الصفات (2) . بمعنى إنه كان يأخذ آيات و أحاديث الأحكام على ظاهرها ، و يُؤوّلها فيما يخص منها الصفات و ينفيها ، فكان ظاهري الفروع باطني قرمطي الأصول في باب توحيد الله تعالى و صفاته ،و مع ذلك كان يدعي إنه على منهاج السلف الصالح، و يُعظم أحمد بن حنبل ،و يشتد في انتقاد الأشاعرة ، و ينسبهم إلى الضلال و الانحراف و الكفر ، رغم إنهم أحسن منه في باب ابصفات (3) . فكل ذلك يدل على إنه -أي ابن حزم- كان مخلطا مضطربا حائرا ، يفتقد للانسجام المنهجي في الفروع و الأصول معا ، فكانت حالته هذه نموذجا لضحايا الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين .

(1) نفس المصدر ، ص: 18 .

(2) ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 92 .

(3) ابن حزم: الفصل في الملل و النحل، ج 3 ص: 5، ج 4 ص: 157 ، و ما بعدها . و ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ج 1 ص: 107 . و منهاج السنة النبوية ، ج 2 ص: 854 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت