الصفحة 185 من 242

و خامسا حالة الفقيه المتكلم أبي الوفاء بن عقيل البغدادي (ت513ه) ، تعرّض لأزمة عقيدية ،و لمحنة مع أصحابه في آن واحد ، و ذلك إنه تأثر بالمعتزلة و أصبح يُؤوّل بعض الصفات ،و يُعظم الصوفي ابن منصور الحلاج البغدادي (ت309ه) ، مخالفا بذلك مذهب الحنابلة في موقفهم من الصفات و الحلاج ، فأنكروا عليه ما صدر منه ،و أهدروا دمه و طاردوه ، فاختفى منهم و أصر على موقفه ، من سنة 461إلى 465 هجرية ، ثم وضع حدا لأزمته و محنته ، فعاد إلى أصحابه و أعلن توبته أمامهم ،و كتب محضرا أشهدهم على نفسه بأنه تاب عن الاعتزال ،و رجع إلى مذهب أهل السنة (1) .

فما الذي دفعه إلى التوبة و وضع حد لأزمته و محنته ، بعد أربع سنوات من التحدي و الصبر و الإصرار و الاختفاء ؟ . أولا لم تذكر المصادر -التي رجعت إليها- سببا واضحا لتوبة ابن عقيل ، إلا ما ذكره الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي ، من إنه رُوي إن ابن عقيل ركب سفينة ، فسمع شابا يقول: (( لو لقيتُ هذا الزنديق ابن عقيل ، حتى أتقرّب إلى الله تعالى بقتله و إراقة دمه ) )، فخاف ابن عقيل و غادر السفينة ،و اتصل برفاقه ليُعلن توبته (2) . و هذا تعليل ضعيف جدا ، لأن ابن عقيل كان على علم من أن أصحابه أهدروا دمه ، لذلك هرب و اختفى عن الأنظار خوفا من القتل ، فالأمر إذن ليس جديدا عليه ، اللهم إلا أن يُقال إن تلك الحادثة كان لها تأثير كبير في نفسه ، مما دفعته إلى إعادة النظر مما هو فيه .

(1) انظر مثلا: ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 254 . و ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 173 و ما بعدها .

(2) الموفق بن قدامة: تحريم النظر في كتب أهل الكلام ، ص: 3-4 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت