الصفحة 186 من 242

و ثانيا يبدو إن ابن عقيل وضع حدا لأزمته و محنته لعدة اعتبارات ، أولها تخلّصه من التأثر و الانبهار الفكري بالاعتزال و رجاله في قضايا الاعتقاد . و ثانيها إحساسه بالذنب فيما تسبب فيه من خلاف و شقاق بين أصحابه الحنابلة. و ثالثها خوفه من القتل ،و رغبته في استرداد حريته المُصادرة ، بعدما ضاق ذرعا من المطاردة و الحصار المفروض عليه مدة أربع سنوات .

و سادسا حالة الحافظ أبي الفضل بن ناصر السلامي الشافعي البغدادي (ت 550ه) ، حكى عن نفسه إنه تأثر بالأشاعرة في مسألة كلام الله تعالى ، و أصبح يقول بمقالتهم ، دون أن يحصل له اطمئنان ، فظل مضطربا حائرا مدة طويلة ، يدعو الله أن يهديه إلى الحق ، و في ذلك يقول عن نفسه: (( كنتُ أسمع الفقهاء في النظامية يقولون: القرآن معنى قائم بالذات، و الحروف و الأصوات عبارات و دلالات عن الكلام القديم القائم بالذات ، فحصل في قلبي شيء من ذلك ، حتى صرتُ أقول بقولهم موافقة ) )، ثم قال: (( و كنتُ إذا صليتُ أدعو الله أن يُوفقني لأحب المذاهب و الاعتقادات إليه ، و بقيتُ على ذلك مدة طويلة أقول: اللهم وفقني لأحب المذاهب إليك ،و أقربها عندك ) )، ثم ذكر إنه رأى في المنام رسول الله -عليه الصلاة و السلام- فحثّه على اتباع مذهب أبي منصور الخياط البغدادي الحنبلي (ت499ه) ،و في الصباح اتصل به و أخبره بالأمر ، فقال له أبو منصور: (( يا بني مذهب الشافعي حسن ، فتكون على مذهب الشافعي في الفروع ،و على مذهب أحمد و أصحاب الحديث في الأصول ، ) )، فقال ابن ناصر: (( يا سيدي ما أريد أن أكون لونين ) )، ثم أشهده على نفسه إنه على مذهب أحمد بن حنبل أصولا و فروعا (1) .

(1) ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 121-122 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت