فهرس الكتاب
و الحالة الأخيرة -أي ثامنا- محنة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي (ت600ه) ، جلس يوما بجامع دمشق (سنة 595ه) ، و ذكر شيئا من العقائد ، منها أحاديث في النزول و صفات أخرى ، فأنكر عليه جماعة من الأشاعرة من الشافعية و الحنفية و المالكية ، كالقاضي ابن الزكي،و ضياء الدين الدولعي، و رموه بالتجسيم ، و رفعوا أمره إلى السلطان ، و والي دمشق صارم الدين برغش ،و أخبروهما بأمر الحافظ عبد الغني ، و قالوا للوالي إن عبد الغني أضل الناس ،و يقول بالتشبيه ، فأمر الوالي بعقد مجلس لمناظرته ، فلما حضر ناقشوه في مسألة الاستواء و النزول و رد عليهم ، فأصر كل طرف على موقفه ، لأن كلا منهما نظر للقضية من زاوية مذهبه الذي يعتقده ، فهو ضللهم ، و هم كفّروه ، و قالوا للوالي: إنه مُبتدع ،و لا يجوز أن يُترك بين المسلمين ، و لا يحل لولي الأمر أن يُمكّنه من المقام معهم . ثم تدخل الوالي و قال لعبد الغني: كل هؤلاء على الضلالة و أنت على الحق ؟ قال: نعم ، فغضب عليه و أمر بنفيه من البلد ، فاستنظره عبد الغني ثلاثة أيام فأنظره ، فارتحل الحافظ إلى بعلبك ، ثم توجه منها إلى مصر ، فآواه أهل الحديث ،و حنوا عليه و أكرموه (1) .
و قد أنكر الحافظ الذهبي ما رواه المؤرخ سبط بن الجوزي من إن الفقهاء أجمعوا على تكفير الحافظ عبد الغني ، و إنه مبتدع لا يجوز أن يُترك بين المسلمين . فيرى -أي الذهبي- إن السبط مجازف فيما رواه ، و إنه قليل الورع في نقله دعوى إجماع هؤلاء ، و يعتقد الذهبي إن الذين أفتوا بذلك هم طائفة من الذين قاموا عليه ، لأنه لو أجمع الفقهاء على تكفيره لقتلوه (2) .
(1) أبو شامة: ذيل الروضتين ، ج2 ص: 47 . و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 21 . و الذهبي: السير، ج 21 ص: 455 ، 459 ، 463، 464 .
(2) السيّر ، ج 21 ص: 464 .