فهرس الكتاب
و كلامه هذا صحيح ، فإن الروايات التي اطلعتُ عليها ذكرت إن الذين قاموا عليه،و رفعوا أمره إلى السلطان هم طائفة من الأشاعرة ، وهم الذين ناقشوه و كفّروه ، و حرّضوا عليه السلطان ، و ليس فقهاء دمشق هم الذين فعلوا ذلك . و إنه من المؤسف حقا أن يقوم عالم مسلم بقراءة أحاديث صحيحة ، فتقوم عليه طائفة من الأشاعرة فتمنعه من قراءتها ، و تتهمه بالتشبيه و تكفّره ، و ترفع أمره إلى السلطان و تحثه على نفيه و إخراجه من البلد !! .
إن ذلك هو التعصب الأعمى الممقوت ،و الإرهاب الفكري المتسلّط على النفوس و العقول ، الذي ولّدته الأزمة العقيدية الحادة الني جرّت على كثير من العلماء أزمات و محن ، ذكرنا منهم طائفة ، و قد رجع كثير منهم إلى مذهب السلف في نهاية الأمر .
خامسا: مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على السياسيين:
تركت الأزمة العقيدية -التي عصفت بالمذهب السني- تأثيرا كبيرا على كثير من السياسيين -خلال القرنين:5-6ه- ، تجلّت مظاهرها فيما يأتي .
أولا تمذهب كثير من السياسيين بمذهب إحدى الطائفتين المتنازعتين ، منهم: الخليفة العباسي القادر بالله (381-422ه) ، كان على مذهب الحنابلة و أهل الحديث ، و إليه يُنسب الاعتقاد القادري (1) . و ثانيهم الخليفة القائم بأمر الله (522-567ه) ، سار على نهج والده القادر بالله في تبني مذهب أهل الحديث و الانتصار له ، و معروف إنه وقف بجانب القاضي أبي يعلى الفراء في نزاعه مع الأشاعرة عندما اتهموه بالتشبيه ، بسبب كتابه إبطال التأويلات (2) .
(1) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 118 .
(2) نفسه ، ج 2 ص: 198 . و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 96 .