الصفحة 196 من 242

و الشاهد الأخير -أي التاسع- هو بناء السياسيين لكثير من المدارس الطائفية المذهبية ، فمن ذلك بناء الوزير نظام الملك مدارسه النظامية للشافعية ، و بناء السلطان نور الدين محمود مدارس كثيرة للحنفية و الشافعية ، و بناء السلطان صلاح الدين مدارس عديدة للشافعية و الحنفية و المالكية ، فهؤلاء ببنائهم لتلك المدارس الطائفية قد شاركوا في الأزمة العقيدية -التي عصفت بأهل السنة - توسيعا و تعميقا و تكريسا .

و رابعا إن من مظاهر تأثيرها عليهم أيضا-أي السياسيون- سلبيتهم في التعامل مع الأزمة العقيدية و عدم السعي الجاد لإيجاد حل جذري لها ، فقد سبق أن ذكرنا أمثلة كثيرة على تمذهب السياسيين ، و تعصبهم لطائفة دون أخرى ، الأمر الذي جعلهم سلبيين تجاه إيجاد حل صحيح لتلك الأزمة ، و من الشواهد التاريخية التي تُثبت ذلك و توضحه أكثر ، النماذج الآتية:

أولها موقف الخليفة القائم بأمر الله من كتاب القاضي أبي يعلى و احتجاج الأشاعرة عليه ، فإنه طلب منه الكتاب و اطلع عليه ، ثم أرجعه إليه دون أي إنكار -على ما روته الأخبار- ، و أخرج الاعتقاد القادري تأييدا له على حساب الأشاعرة الذين ثاروا على القاضي و كتابه ، و المفروض إنه كان عليه أن ينتقد الكتاب في المسائل التي بالغ فيها مؤلفه في إثبات الصفات معتمدا على أحاديث ضعيفة و موضوعة ، على ما سبق أن بيناه .

و ثانيها موقف الوزير نظام الملك السلبي من وعاظ الأشاعرة في بغداد ، فقد كانوا يأتونها ،و بعضهم هو الذي أرسلهم إليها ، فيسبون أهل الحديث ،و يذمونهم و يّكفّرونهم ، و ينشرون الأشعرية ، و تحدث بسببهم الفتن و المصادمات الدامية ، و يموت فيها خلق كثير، و لا نعلم إنه اتخذ منهم موقفا حاسما لردعهم و معاقبتهم ، و إنما كان يُكرمهم و يُعظمهم و يُزودهم بما يحتاجونه ، و يأمرهم بالرجوع إلى بلدانهم بعد عودتهم من بغداد (1) .

(1) سبق توثيق ذلك مرارا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت