فهرس الكتاب
لكنهم مع ذلك فقد كانت لهم مواقف سعوا فيها للإصلاح بين الأشاعرة و أهل الحديث ،و الحد من النزاع القائم بينهما ، لكنها كانت مواقف ظرفية سطحية محدودة الأثر في الواقع ، ترمي إلى احتواء الأزمة و التخفيف منها و التحكم فيها ، و لم تكن ترمي إلى وضع حد نهائي لها ، و الشواهد على ذلك كثير ة ، أذكر منها خمسة، أولها ما حدث في فتنة ابن القشيري سنة 469ه ، فقد تدخل فيها كل من الخليفة المقتدي بأمر الله ،و وزيره العميد بن جهير، و الوزير نظام الملك ، للإصلاح بين الحنابلة و الأشاعرة ،و احتواء الفتنة ،و لم يسعوا لوضع حد للأزمة القائمة بين الطائفتين المتنازعتين ، لذا وجدنا الفتنة تكررت بينهما سنة 470ه، قُتل فيها نحو عشرين قتيلا من الجانبين (1) .
و ثانيها هي أنه لما دخل الواعظ أبو الفتوح محمد بن أبي الفضل الأشعري (ت 538ه) إلى مدينة بغداد ،و حدثت فتن مذهبية بينه و بين الحنابلة ، تدخل الخليفة العباسي المسترشد بالله و أخرجه من بغداد (2) . و الشاهد الثالث هو أنه لما وعظ أبو الفضل بن شقران الأشعري (ت 561ه) ببغداد و بالغ في نصرة الأشعرية ، تدخل الوزير العباسي عون الدين بن هبيرة (ت قرن: 6ه) ومنعه من الوعظ ،و حُطّ من على المنبر (3) .
و الشاهد الرابع هو إنه لما حدث خلاف بين ابن الجوزي (ت 597ه) و نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلاني ، في مسألة صفات الله تعالى ، و انتشر ما حدث بينهما بين الناس ، تدخل الخليفة العباسي-لم أُميّزه- و أمر بالسكوت من الجهتين حسما للفتنة (4) .
(1) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 312-313 . و ابن كثير: ج 12 ص: 117 . و ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 27 .
(2) السبكي: الطبقات ، ج 6 ص: 172 ,
(3) ابن الجوزي: المصدر السابق، ج 10 ص: 219 .
(4) ابن مفلح الجنبلي: المنهج الأحمد ، ج3 ص: 57 .