فهرس الكتاب
و آخرها -أي الشاهد الخامس- هو إنه لما خاض الأشاعرة و أهل الحديث ، في مسألة الحرف و الصوت ، أصدر السلطان صلاح الدين (ت589ه) مرسوما منع فيه الخوض في تلك المسألة ، و توعّد من يخالفه بالعقاب الشديد ،و قُرئ مرسومه على المنابر بمصر (1) .
فهذه الحوادث-و غيرها- شواهد تاريخية تدل على إن تدخلات السياسيين للحد من الأزمة العقيدية ، كانت تدخلات للتخفيف و التهدئة و الاحتواء ، و لم تكن تدخلات فعالة لحل الأزمة نهائيا ، و اجتثاثها من جذورها .
و أخيرا-أي خامسا- فإن من مظاهر تأثيرها -أي الأزمة- على السياسيين ، ما حققه الأشاعرة من انتصار سياسي كاسح على أهل الحديث بالمشرق الإسلامي و مغربه، منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري و ما بعده ، تحقق لهم ذلك على يد كبار سياسييهم ، و الشواهد على ذلك كثيرة ، أولها أثر الوزير السلجوقي نظام الملك ، فهو أول سياسي مشهور-حسب علمي- تبنى الأشعرية مذهبا ، و مكّن لها في دولته ماديا و معنويا ، و بنى لأتباعها المدارس ،و أغدق عليهم الأموال ،و وفر لهم الحماية على ما سبق أن بيناه .
و ثانيها هو إن الموحدين بالمغرب الإسلامي اتخذوا الأشعرية مذهبا رسميا لدولتهم ، فقد فرضوها على الرعية بالقوة منذ انتصارهم على المرابطين سنة 541ه، فاختفى مذهب أهل الحديث ، و سادت الأشعرية المغرب الإسلامي ،و تجذّرت فيه (2) .
(1) السبكي: المصدر السابق ، ج 7 ص: 351 .
(2) ابن خلدون: المقدمة ، ص: 290 . و الناصري: الاستقصاء ج 1 ص: 83، 196 .