الصفحة 54 من 242

و المثال الأخير-أي السادس- ما حدث للحافظ عبد العني المقدسي الحنبلي الدمشقي (ت600ه) ، فإنه لما أظهر مذهبه في صفات الله تعالى أنكر عليه طائفة من الأشاعرة ، و رفعوا أمره إلى ولي الأمر بدمشق ( سنة 596هه) ، و ناقشوه في مذهبه ، فلما أصر عليه كفّروه و بدّعوه (1) .

و أشير هنا إلى إن هناك حوادث أخرى تبادل فيها الطرفان المتنازعان التكفير من الجانبين ، منها إن كلا منهما كفّر الآخر في فتنتي ابن القشيري و أبي بكر البكري المغربي (2) .

و منها أيضا ما حدث بمصر بين الحنابلة و أهل الحديث من جهة ،و بين نجم الدين الخبوشاني الأشعري و أصحابه من جهة أخرى ، إذ كان كل طرف يُكفّر الآخر ، حتى جرهم ذلك إلى الاقتتال في حادثة نبش قبر ابن الكيزاني (3) .

و أما التضليل فهو يندرج في معنى التكفير ،و قد لا يندرج فيه ، استخدمه أهل الحديث و الأشاعرة في نزاعهما المذهبي المرير ، أذكر من ذلك خمسة أمثلة ، أولها موقف الحافظ السجزي من أئمة الكلابية و الأشعرية الأوائل ، كابن كلاب ،و أبي العباس القلانسي ،و أبي الحسن الأشعري ،و ابن مجاهد البصري، و أبي بكر الباقلاني ، فإنه جعل كل هؤلاء من أئمة الضلال و ألحقهم بالمعتزلة ، لأنهم يدعون الناس إلى مخالفة السنة ، و ترك الحديث ، و ضررهم -عند السجزي- أكثر من ضرر المعتزلة (4) .

(1) الذهبي: نفس المصدر، ج 21 ص: 446 .

(2) انظر: ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 27، 87 . و ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 160 .

(3) ابن تغري بلدي: النجوم الزاهرة ، ج 6 ص: 116 .

(4) رسالة السجزي ، ص: 57 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت