الصفحة 59 من 242

و هذه الجماعة كانت معتزلة الأصول تنفي كل صفات الله تعالى (1) ، منها نفي صفة الكلام ، و من ثم فإن القرآن ليس كلامه ، و إنما هو مخلوق من مخلوقاته (2) ، لذا فإن هذه الطائفة لم تتأثر تأثيرا واضحا بالأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، لأنها أصلا ليست من أهل السنة في الأصول ، و لأن سبب الأزمة لا يعنيها مباشرة ، لكنها ستتأثر بها تأثيرا كبيرا في القرن السابع الهجري و ما بعده ، حين يغزوها مذهب الخلف و يتحول معظم الحنفية إليه (3) .

و أما الطائفة الثانية -أي الحنفية الكرّامية- فهي مجسمة و مشبّهة في الصفات ،و تنتسب إلى المتكلم عبد الله بن كلاب السجستاني (ت225ه) ، تمذهبت بمذهب أبي حنيفة في الفروع (4) .و كان لها أتباع كثيرون في بلاد خُراسان و العراق ، خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين (5) .

و كان تأثرها بالأزمة العقيدية -التي ألمت بالمذهب السني - ضعيفا في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، بحكم أنها ليست من أهل السنة في الأصول ،و المسألة لا تعنيها ، لكنها تأثرت بها في القرن السابع الهجري و ما بعده ، عندما ضعفت كثيرا و تلاشت نهائيا زمن الحافظ الذهبي (ت 748ه) (6) ، بسبب اكتساح مذهب الخلف لها ،و تحول أتباعها إليه (7) .

(1) معروف عن المعتزلة أنهم ينفون صفات الله تعالى و يقولون بخلق القرآن .

(2) لسنا نحن هنا قي صدد مناقشة المعتزلة في موقفهم من الصفات ، لكن لا شك من مذهبهم هذا باطل من أساسه ، يرفضه النقل و العقل معا

(3) السبكي: طبقات ، ج 3 ص: 378 .

(4) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 6 ص: 314 . و السير،ج 7 ص: 486 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 3 ص: 185، 187 .

(5) انظر: الذهبي: السير، ج 11 ص: 524 .و أبو الفدا: المختصر في أحبار البشر، ج 3 ص: 96-97 . و ابن العربي: العواصم من القواصم ، ج 2ص: 287 .

(6) الذهبي: السيّر، ج 11 ص: 524 .

(7) السبكي: المصدر السابق ، ج 3 ص: 378 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت