فهرس الكتاب
و أما بالنسبة للطائفة الثالثة-أي الحنفية السلفية- فهي الطائفة الأصلية لكل الحنفية ، بحكم إن الإمام أبا حنيفة كان على طريقة السلف في أصول الدين ، وفق منهاج أهل السنة و الجماعة (1) . و هذه الطائفة سارت على نهجه في أصول الدين و فروعه ، و قد مثّلها في القرن الرابع الهجري الفقيه أبو جعفر الطحاوي المصري (ت321ه) ، صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة ، التي شرح فيها مذهب السلف وفق منهاج أبي حنيفة النعمان (2) .
لكنها -أي الطائفة الحنفية السلفية- ضعُفت و قلّ أتباعها في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، بعدما التحقت الغالبية من الحنفية بالمعتزلة و الكراّمية (3) . و أشهر رجالها الذين مثلوها خلال هذين القرنين ثلاثة علماء ، و هم: الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي المكي (ت 444ه) ، و أبو عبد الله بن يحيى الزبيدي البغدادي (ت555ه) ،و المفسر أبو اليمن تاج الدين الكندي الدمشقي (ت613ه) (4) .
و قد كانت هذه الطائفة -أي الحنفية السلفية- طرفا فاعلا في الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين -خلال القرنين: 5-6ه- ، و وقفت بجانب أهل الحديث في نزاعهم مع الأشاعرة ، و قد ذكر أبو نصر السجزي طرفا من ذلك في رسالته إلى أهل زبيد باليمن (5) ؛ لكنها ضعفت كثيرا في القرن السابع الهجري و ما بعده ، و فشلت في جذب الحنفية الكراّمية و المعتزلة إلى صفوفها ، الذين تحوّلوا إلى الأشعرية و الماتريدية ، بشكل جماعي ، على ما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى .
(1) طبقات الحنفية، ج 1 ص: 461 .
(2) انظر: أبو العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية ، فقد اشتملت على المتن و الشرح معا .
(3) ابن العربي: المصدر السابق، ج 2 ص: 287 .
(4) الذهبي: السير، ج 20 ص: 316، ج 22 ص: 38-39 .و ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج3 ص: 1332 .و طبقات الحنفية ، ج1 ص: 338 .
(5) سبق أن نقلنا عنها أخبارا كثيرة ، و سنتكلم عنها في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .