الصفحة 64 من 242

و هؤلاء -و غيرهم- هم الذين نقلوا الأزمة العقيدية -التي عصفت بالمذهب السني- إلى بلاد المغرب بنشرهم للأشعرية بين أهله ، مما جعل علماء المالكية-معظمهم على مذهب السلف- يتحركون لمقاومتها، خاصة في زمن دولة المرابطين ( 451-541ه) ، التي كانت حاملة راية مذهب أهل الحديث ، و في ظلها قاوم الفقهاء علم الكلام و أهله ، و ألحقوهم بأهل البدع و الأهواء ، و عدّوا الأشاعرة منهم ،و هم -أي الفقهاء- الذين أفتوا بحرق كتب أبي حامد الغزالي (ت505ه) (1) .

و بذلك تمكن أهل الحديث بالمغرب الإسلامي من تحجيم دور الأشعرية ،و التخفيف من حدة الأزمة العقيدية و آثارها على المجتمع المغاربي، طيلة الحكم المرابطي . لكنها -أي الأزمة- برزت من جديد بقوة ،و اشتدت حدتها على يد محمد بن تومرت (ت 524ه) المتحمس للأشعرية ، و المدعي للمهدوية ، و المتطلع للسلطة ، فما إن عاد من رحلته العلمية المشرقية إلى المغرب ، حتى شرع في نشر دعوته ،و تكوين الأتباع ، و دخل في نزاع فكري و عسكري مع المرابطين ، فاتهمهم بالتجسيم و التشبيه ، و كفرهم و استباح دماءهم و أموالهم ، و دعاهم إلى الأشعرية و الخضوع له ، و دخل معهم في حروب طاحنة انتهت بانتصار الموحدين- أي أتباع ابن تومرت- على المرابطين ، فحملوا المغاربة على ترك مذهب السلف و تبني الأشعرية ، فتحّولوا إليها جماعيا (2) .

(1) السلاوي: الاستقصاء، ج1 ص: 74، 75 .و ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج 5 ص: 248 . و الذهبي: العبر، ج 4 ص: 60 .

(2) ابن خلدون: المقدمة، ص: 230 . و السبكي: طبقات الشافعية، ج 3 ص: 378 . و السلاوي: الاستقصاء، ج 1ص: 83، 196، 197 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت