فهرس الكتاب
و كلامه هذا صحيح ، فإن بإقبال المالكية على الأشعرية المتأخرة ، يكونون قد قطعوا علاقتهم بإمامهم مالك بن أنس في مسائل كثيرة من مسائل أصول الدين ، لمخالفتهم له فيها ، كقضية الصفات ، و الإيمان ،و كلام الله ، و السببية، إذ للأشعرية في هذه المسائل مقولاتها الخاصة انفردت بها ، و خالفت فيها مذهب السلف الذي كان عليه الإمام مالك بن أنس ، و بهذا أصبح المالكية يأخذون بآراء إمامهم و أصحابه الأوائل في الفروع ،و لا يأخذون بكثير من آرائهم في الأصول ، و بمعنى آخر أصبحوا مالكية في الفروع ، أشعرية في الأصول .
و الأمر الغريب في موقفهم هذا ، هو إنهم عندما حملهم الموحدون على الأشعرية تبنّوها و تركوا مذهب السلف و لم يعودوا إليه ، لكنهم عندما حملوهم على ترك مذهب إمامهم في الفروع و أحرقوا كتبه ليتخلوا عنه ، لم يستسلموا لهم و تشبّثوا بمذهب مالك و أفشلوا خطة الموحدين في القضاء على مذهب مالك الفقهي (1) .
و ختاما لما ذكرناه يتبين إن تأثر الطائفة المالكية بالأزمة العقدية-التي عصفت بالمذهب السني - كان كبيرا و حاسما ، فهي -أي الأزمة- التي صدّرت إليهم الأشعرية ، و قاوموها في البداية ،لكنهم تبنّوها في النهاية و أخلصوا لها ، و بذلك ارتفعت الأزمة عن المغرب الإسلامي ، بانتصار الأشعرية الساحق على مذهب أهل الحديث ، لكنها بقيت قائمة على أشدها بالمشرق الإسلامي .
ثالثا: مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الشافعية:
(1) انظر: الذهبي: السيّر، ج 21، ص: 314 . و الناصري: الاستقصاء، ج 1 ص: 125 .