الصفحة 72 من 242

و هنا أتساءل: هل تلك الطوائف الأربع المنتمية للشافعي ، يصح انتماؤها إليه في الأصول ؟ لا شك أولا إن الشافعية المشبهة و المعتزلية لا يصح انتماؤهما للإمام الشافعي ، فهو لم يكن مجسما و لا معتزليا ، و هذا معروف عنه و مشهور لا يحتاج إلى توثيق ؛ فهم انتموا إليه في الفروع لا في الأصول ، فيأخذون بأقواله في الفقه ،و يردونها في أصول الدين ! ! .

و ثايا إن الشافعية الأشعرية تنقسم إلي فرعين ، الأول هو الأشعرية المتقدمة الذي يمثل الأشعري و أصحابه الأوائل ، و هو يتفق مع مذهب السلف- الذي هو مذهب الشافعي- في جوانب كثيرة كإثبات الصفات الخبرية ،و إن خالفه في مسائل أخرى ، كقضية الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى،و مسألة الإيمان (1) . و الفرع الثاني مثّلته الأشعرية المتأخرة ، قالت بما قاله الفرع الأول ،و زادت عليه تأويل الصفات الخبرية التي وردت في الشرع (2) .

و قد تعرّضت الأشعرية - بفرعيها- لانتقادات لاذعة من أبي الحسن الكرجي الشافعي (ت532ه) ، حين قال: ( و من قال: أنا شافعي الشرع -أي الفروع- أشعري الاعتقاد ، قلنا له: هذا من الأضداد ، لا بل من الارتداد ، إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد ، و من قال أنا حنبلي في الفروع معتزلي في الأصول ، قلنا له: قد ضللت إذن عن سواء السبيل فيما تزعمه ، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين و الاجتهاد ) ) (3) . و هذه الطائفة -أي الشافعية الأشعرية- هي التي عناها المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت597ه) عندما قال: (( حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي ، و دانوا بقول الأشعري ) ) (4) .

و أما الطائفة الشافعية السلفية ، فواضح من تاريخها و أفكارها و مواقف رجالها إنها هي التي كانت تمثل مذهب الإمام الشافعي تمثيلا كاملا ، أصولا و فروعا .

(1) انظر التمهيد .

(2) سنناقش ذلك في الفصل الثالث .

(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 177 .

(4) المنتظم ، ج 6 ص: 332-333 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت