فهرس الكتاب
و قولهما هذا -عن تحوّل ابن الجوزي إلى الأشعرية- غير ثابت ، و تدفعه طائفة من الشواهد التاريخية ، أولها إن ابن الجوزي كان مضطربا في مسألة الصفات ، فيثبتها مرة و ينفيها مرة أخرى ، فقد ذكرنا -مثلا- أنه أوّل صفة الوجه ، لكنه أثبتها في مواضع أخرى من كتبه (1) . و ثانيها إن علماء الحنابلة ببغداد أنكروا على ابن الجوزي نفيه لبعض الصفات ،و ميله للتأويل ، و تأثره بالأشاعرة ، و أرسلوا إليه خطابا طويلا مشحونا بالتحذير و النصح و التهديد و التخويف ، و قالوا له فيه أنه أساء لمذهب الإمام أحمد الذي ينتسب إليه (2) ؛ فلو كان قد ترك مذهبه في الأصول و التحق بالأشاعرة ، ما جاء خطابهم إليه بذلك الأسلوب ،و لصرّحوا فيه بأنه ترك مذهبهم ،و ربما ما أرسلوه إليه أصلا .
و الشاهد الثالث هو إن لابن الجوزي أقوالا ذم فيها أبا الحسن الأشعري و أصحابه ، فقال عن الأشعري أنه جاء بمقالة خبّطت عقائد الناس ،و أوجبت الفتن المتصلة (3) ،و عرّض بأصحابه و وصفهم بأهل البدع ،و أنهم يقولون: (( ما في السماء أحد ، و لا في المصحف قرآن ، و لا في القبر نبي ، ثلاث عورات لكم ) ) (4) .
(1) انظر: ابن الجوزي: تلبيس إبليس ، حققه نخبة من العلماء، د م ن ، دار النور الإسلامية ، ص: 101، 102 . و ناصر العلوان ، اتحاف أهل الأثر و الانصاف بنقض كتاب ابن الجوزي في دفع شبهة التشبيه ، ص: 15 .
(2) ابن رجب: الذيل ، ج 2 ص: 106 .
(3) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 6 ص: 332 .
(4) الذهبي: السيّر، ج 21 ص: 376 .و ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 403 .