فهرس الكتاب
و يُستنتج مما ذكرناه عن الطائفة الظاهرية ، إنها تأثرت أيضا بالأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، حتى أخرجت بعض أقطابها عن مذهب إمامهم السلفي الاعتقاد ، فأدخلت ابن حزم في التأويل و التعطيل ، و زجّت بأبي عامر الميورقي في التشبيه و التجسيم .
و ختاما لما أوردناه عن تأثير الأزمة العقيدية على الطوائف السنية ، يتبين لنا منه إن تأثيرها على الحنفية و المالكية و الشافعية كان كبيرا ، إذ نقلتهم من مذهب أئمتهم -أي مذهب السلف- إلى مذهب الخلف-أي الأشعرية و الماتريدية- ، إلا قلة منهم قاومت التأثير ،و كانت طرفا فاعلا في الأزمة ، و ظلّت متمسكة بمذهب أهل الحديث ، الذي هو مذهب السلف الصالح .
و أما تأثيرها على الحنابلة فتمثل في دفعهم لمقاومة الأشعرية ،و القيام بعمل فاعل أساسي في الدفاع عن مذهب أهل الحديث ، و التمسك به ، إلا قلة منهم تأثرت بالأشعرية و الاعتزال ،و الفلسفة و التجسيم . فالفارق الواضح بينهم و بين الطوائف السنية الأخرى -في تأثرهم بالأزمة- هو إنهم ظلّوا متمسكين بمذهب السلف ، إلا قلة منهم تأثرت بغيره من المذاهب، مقابل الطوائف السنية الأخرى التي تحوّلت إلى مذهب الخلف ، إلا قلة من أتباعها لم تتحوّل إليه ، و ظلت متمسكة بمذهب السلف ، فكان ذلك مظهرا من مظاهر الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
سادسا: مظاهر تأثير الأزمة على الانسجام الداخلي لمذهبي السلف و الخلف:
تركت الأزمة العقيدية -التي عصفت بالمذهب السني- تأثيرا كبيرا على الانسجام الداخلي لكل من مذهبي السلف- أي أهل الحديث- و الخلف- أي الأشعرية - مما يدل على مدى عمق الأزمة ،و ما أحدثته من اختلافات و اتفاقات داخل المذهب الواحد .
(أ) تأثيرها على الانسجام الداخلي للأشعرية: