الصفحة 92 من 242

و الذي يهمنا هنا هو إن في المذهب الأشعري قولين في مسألة الصفات ، و هذا مظهر من مظاهر الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، فإذا ثبت أن الأشعري تبنى قولين في الصفات فهذا يعني إنه كان مضطربا في هذه المسألة ، لم يتوصل فيها إلى حل صحيح ، و اتخذ منها موقفا متناقضا ، لأن الجمع بين إثبات الصفات و تأويلها هو تناقض ، فيه جمع بين النفي و الإثبات في مسألة واحدة ، و لا يصح أن يُقال إن موقفه هو تنوّع في الحلول ، لأن موقفه هذا هو اختلاف تناقض لا اختلاف تنوّع ، و من ثمّ فإن من كان هذا حاله فلا يصح الإقتداء به ، فيما أخطأ فيه .

و أما إذا كان الأشاعرة المتأخرون هم الذين اختلقوا ذلك و نسبوه لإمامهم ، فإن الاعتراض السابق يُوجه إليهم ، و يصبح موقفهم هذا هو خروج عن مذهب إمامهم الأشعري و افتراء عليه ، و لا يصح نسبته إليه . و هم في إثباتهم لسبع صفات و تأويلهم لباقي الصفات -أي الخبرية- هم متناقضون مع أنفسهم ، لأن المنطق الذي أثبتوا به سبع صفات ، هو نفسه يفرض عليهم إثبات التي أوّلوها ، و المنطق الذي أوّلوا به- ما عدا التي أثبتوها- يفرض عليهم أيضا تأويل السبع التي أثبتوها . كما إن تسميتهم للتي أثبتوها بأنها عقلية ،و التي أوّلوها بأنها خبرية ، هو تقسيم غير صحيح و لا مبرر له ، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و من ثمّ فلا فرق بين صفة السمع و صفة النزول ، و لا بين البصر و الحكمة من حيث الثبوت ، لذا فإن المفروض هو إثبات كل الصفات التي وردت في الشرع ، بلا تشبيه و لا تكييف، و لا تأويل و لا تعطيل ، لأنها كلها من الله تعالى و رسوله -عليه الصلاة و السلام- . و بذلك يتبين لنا إن القول بوجود قولين في المذهب الأشعري في مسألة الصفات ، هو مشكلة و ليس حلا ، جعلت المذهب متناقضا غير منسجم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت