فهرس الكتاب
و أما الأمر الثاني -في تأثير الأزمة سلبا على انسجام الأشعرية داخليا- فهو اضطراب شخصيات أشعرية كبيرة الشأن في مسألة الصفات ، و رجوعها عن التأويل إلى الإثبات ، فهؤلاء و بتأثير من الأزمة العقيدية -التي عصفت بالمذهب السني - و إحساسهم بالتناقض الذي عليه مذهبهم ، دخلوا في صراع فكري و اضطراب نفسي ، بحثا عن الحقيقة بين المثبتين للصفات و المؤولين لها ، فانتهى بهم المطاف إلى ترك التأويل -في آخر أعمارهم- و الاستقرار على الإثبات ، على منهاج السلف الصالح ، كان في مقدمتهم الفقيه المتكلم أبو محمد بن يوسف الطائي الجويني (ت 438ه) ، و ابنه المتكلم أبو المعالي إمام الحرمين الجويني (ت 478ه) ، و حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت505ه) ، و المتكلم المفسر الفخر الرازي (ت606ه) (1) .
و مع ذلك فقد كان للأزمة العقدية-التي عصفت بالسنيين -تأثير إيجابي على انسجام الطائفة الأشعرية المتأخرة ، عندما جذبت إليها المالكية و الشافعية و الحنفية ، و جمعتهم على مذهب واحد قائم على تأويل الصفات الخبرية ، و جنّدتهم لمقاومة تيار أهل الحديث المناوئ لها .
(ب) تأثير الأزمة على الانسجام الداخلي لطائفة أهل الحديث:
أثّرت الأزمة العقيدية -التي عصفت بالمذهب السني- إيجابا على أهل الحديث في إنها لم تُحدث في مذهبهم قولين في مسألة الصفات - كما حدث للأشعرية - و ظل متماسكا في موقفه منها ، فساهم ذلك بفاعلية في وحدة أهل الحديث و انسجامهم منهجا و سلوكا .
(1) أنظر: الجويني الأب: رسالة في إثبات الاستواء و الفوقية، ، حققه احمد بن علوان ، الرياض، دار الوطن ، 1998 ، ص: 4 و ما بعدها . و السبكي: طبقات ، ج5 ص: 191 . و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 249 . و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 55 .