فهرس الكتاب
و أما تأثيرها السلبي عليهم - طائفة و مذهبا- فإن جماعتهم -رغم تماسكها العام- قد شهدت نزاعات داخلية حادة أضعفت ترابطها و انسجامها ؛ فمن ذلك ما حدث بين أصحاب الحديث بمدينة أصفهان في إنكارهم على الحافظ أبي نعيم الأصفهاني (ت429ه) ، فهو مع إنه كان على مذهب أهل الحديث في الصفات و كلام الله تعالى ، فإنهم أنكروا عليه ميله الشديد للأشعرية المتقدمة في بعض مسائل الاعتقاد ، و هجروه ،و تكلّموا فيه ،و تكلّم هو فيهم أيضا ، حتى إنهم قاموا إليه بأقلامهم و كادوا يقتلونه (1) .
و كان على رأس المخالفين لأبي نعيم: الحافظ أبو عبد الله بن مندة الحنبلي (ت470ه) ، و قد طعن كل منهما في الآخر ، بسبب التنازع في مسائل الاعتقاد ، منها مسألة اللفظ بالقرآن ، فصنّف أبو نعيم كتاب الرد على الحروفية الحلولية ، ورد عليه ابن مندة في كتابه الرد على اللفظية (2) .
و المثال الثاني ما حدث بين أهل الحديث بدمشق ، فقد تأثرت طائفة منهم بالأشاعرة في تأويل الصفات ، و قالوا إن أحاديثها مشكوك فيها ،و ما صحّ منها فهو من أخبار الآحاد (3) ، و هي لا تُوجب العلم ، و لا يصح الاحتجاج بها، فأحدث ذلك فتنة و بلبلة بين أهل الحديث بدمشق ، مما دفع المقرئ أبا العباس أحمد بن الحسين العراقي (ت قرن: 6ه) إلى الاستنجاد بالمقرئ الحافظ أبي العلاء العطار الهمداني الحنبلي (ت 569ه) ،و كتب إليه يُخبره و يستشيره و يستفتيه في الأمر ، فرد عليه بجواب مختصر لما سأل عنه (4) .
(1) الذهي: السيّر، ج 17 ص: 459 .و العلو للعلي الغفار ، ص: 243 . و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 45 .
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 209 . و الذهبي: السيّر، ج 17 ص: 462 .و تذكرة الحفاظ، ج3 ص: 1034 .
(3) سنناقش مسألة خبر الآحاد في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
(4) أبو العلاء العطار: فتيا و جوابها ، ص: 27 و ما بعدها .