فهرس الكتاب
و من ذلك أيضا إن أصحاب الحديث لم يكونوا في مستوى واحد في موقفهم من قضية الصفات ، فمنهم قلة مالت إلى تأويل بعض الصفات تأثرا بالأشعرية ، كأبن الجوزي و أبي نعيم الأصفهاني . و منهم قلة أخرى بالغت في إثبات الصفات حتى أوهمت التشبيه و التجسيم أو باحت بهما ، و هم يروون الأحاديث الضعيفة و الموضوعة و يعتقدونها و يحتجون بها ، كحديث عرق الخيل ، الذي فيه إن الله تعالى ينزل عشية يوم عرفة ، و يُصافح المشاة و يُعانق الركبان (1) . و قد دخلهم هذا الخلل من قلة المعرفة و الفهم ، فيحتجون بضعيف الأخبار و موضوعها ، و بما لا يُصلح أصلا للاحتجاج ، و لا يفهمون معنى الأحاديث الصحيحة ، و يقولون بالقولين المتناقضين و لا يهتدون للخروج منهما ، ثم هم بذلك (( المنقول الضعيف ،و المعقول السخيف قد يُكفرون و يُُضللون و يُبدّعون أقواما من أعيان الأمة و يُجهلونهم ، ففي بعضهم من التفريط في الحق ، و التعدي على الخلق ، ما يكون بعضه خطأ مغفورا ،و قد يكون مُنكرا من القول و زورا ، و قد يكون من البدع و الضلالات الني تُوجب غليظ العقوبات ) )، و هذا موجود فيهم لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ،و قد رأى منهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عجائب لم يذكر لنا منها أمثلة ، و مع ذلك فقد جعلهم أحسن من غيرهم (2) . و لعل أشهر من مثّلهم هو المقرئ أبو علي الحسن الأهوازي (ت446ه) ،و أبو عبد الله عبد الرحمن بن مندة (ت470ه) ،و أبو الحسن علي بن شكر ، و لهؤلاء مصنفات جمعوا فيها الغث و السمين ،و ربما جمع بعضهم بابا كل أحاديثه ضعيفة (3) .
(1) ابن تيمية: نقض المنطق، ص: 119-120 .
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 23-24 .
(3) ابن تيمية . التفسير الكبير، ج 6 ص: 416 .