فهرس الكتاب
و منهم طائفة ثالثة تمثل جمهور أهل الحديث ، في موقفهم من مسألة صفات الله تعالى ،فهي معتدلة في موقفها منها بلا إفراط و لا تفريط ، تُثبتها كلها بلا تشبيه و لا تكييف ،و لا تأويل و لا تعطيل ، و قد كان في مقدمتها علماء كبار من مختلف الطوائف السنية ، كابن خزيمة ، و أبي نصر السجزي، و أبي الحسن الكرجي، و عبد الله الأنصاري الهروي ، و ابن عبد البر، و ابن زمنين ،و غيرهم كثير (1) .
و ختاما لهذا المبحث يتبين إن الأزمة العقيدية -التي عصفت بالسنيين خلال القرنين:5-6ه- أثرت سلبا على الانسجام الداخلي للأشعرية في موقفها من الصفات ، لكنها أثرت فيها إيجابا من حيث تماسكها الداخلي عندما نجحت في تجميع المالكية و الشافعية و الحنفية من حولها . و اتضح أيضا إنها أثرت إيجابا على الانسجام الداخلي لأهل الحديث في تمسّكها بمذهب السلف ، و أثرت عليها سلبا في ميل قلة منهم إلى المذاهب المخالفة لهم .
سابعا: تجاذب الطائفتين الانتماء إلى مذهب أهل السنة:
تجاذب أهل الحديث و الأشاعرة الانتماء إلى أهل السنة و الجماعة ، و ادعى كل طرف إنه هو الذي على مذهبهم حقيقة ، و إن الطرف الآخر انحرف عنه ،و لا يُمثّله تمثيلا صحيحا ، فمن الذي يمثّله تمثيلا صحيحا ؟ و من الذي انحرف عنه ؟ .
فبخصوص أهل الحديث فقد عبّروا عن ذلك صراحة ، فقال أبو القاسم اللالكائي الشافعي (ت418ه) إن القرآن كلام الله حقيقة ، ليس بحكاية و لا عبارة عنه ، و من أنكر ذلك فهو كافر ضال مُضل مُبتدع ، مُخالف لمذهب أهل السنة و الجماعة (2) . فهو هنا قرر مذهب السلف في كلام الله تعالى ، و عرّض بالأشاعرة و طعن فيهم دون تسميتهم ،و عدّهم من المخالفين لمذهب أهل السنة و الجماعة .
(1) انظر مثلا: ابن تيمية: درء التعارض ، ج 2 ص: 10 .
(2) اللالكائي: شرح اعتتقاد أهل السنة ، ج2 ص: 330 .