باعتبارهم مدافعين عن المجتمع، مع إعطاء الأولوية للضعفاء والمحرومين 91). وقد عبروا عن إرادة الطبقات غير النخبوية ومطامحها، وتوسطوا لها لدى أعلى السلطات. من هنا، برز الفقهاء والقضاة كقادة مدنيين وجدوا أنفسهم، بحكم طبيعة مهنتهما، مشاركين في الإدارة اليومية للشؤون المدنية. وقد شعروا بالمسؤولية تجاه البشر العاديين، وكثيرا ما بادروا بالتحرك نيابة عن المقهورين من دون التماس رسمي من هذه المجموعات الاجتماعية أو أفرادها. وبحكم بيئتهم الاجتماعية، تقاطع مصير الفقهاء ورؤيتهم إلى العالم بصورة لا فكاك منها مع مصالح مجتمعاتهم. وقد مثلوا للعامة الأسوة الحسنة في التقوى والاستقامة والتعليم الراقي، ولم تجعلهم أمهنتهم، كحماة للدين وخبراء في الشريعة ومثال يحتذى للحياة الإسلامية الفاضلة الممثلين الأكثر أصالة للعامة فحسب، بل جعلتهم أيضا «ورثة الرسول» ، كما شهد حديث نبوي مهم ونموذجي") 92. لقد كانوا ركن الشرعية والسلطة الدينية والأخلاقية (93"
أدى هؤلاء، بصفتهم فقهاء، وظائف عدة، تعليمية وتدريسية وقضائية ومتعلقة بمهمات الكاتب العدل. وفي ما يتصل بموضوعنا هنا، سنركز على وظيفتين فقط، هما وظيفة المفتي ووظيفة القاضي، ويعد الإفتاء، إضافة إلى
(91) في هذا السياق، يمكن تقديم طرح آخر (فيبري ربما) يمثل حاشية على طرح هذا الكتابه وهو أن الالتزام بالمبادئ الأخلاقية العامة والإصرار عليها قد لا يؤثر على السلوك الاجتماعي فحسب ولكن أيضا على أنواع المؤسسات المادية وغير المادية التي يختار المجتمع تبنيها وتاسيسها لنفسه. ويصبح هذا العطرح ضروريا کمضاد للزعم بان الاستعادة الأخلاقية (انظر الفصل الأول) مستحيلة لأن مصدر كل القيم بفع حصريا في نظام اجتماعي قاتم. بهذا الزعم نعود إلى الموقف المتحيز المؤبد الضروب التمييز بين الحقيقة والقيمة، وما هو كائن وما ينبغي أن يكون
(92) أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح، أدب المفتي والمستفتي، دراسة وتحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر (بيروت: عالم الكتب، 1984) ، ص 72. وهكذا كان الفقهاء والعلماء المسلمون هم الناس، وليسوا فقط اجزا من نحن الشعب، كما تصف انتصار الرب (larisar Rabb) بحق وضعهم الراهن. انظر
(93) انظر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق مسعد عبد الحميد محمد السعدني (بيروت: دار الكتب العلمية،(د. ت.) ، ج 1، ص 63
30، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، 5 مج (طرابلس: دار الوعي، 2004) ، مج 1، ص 21 - 30؛ ابو الحسن علي بن محمد الماوردي، أدب الدنيا والدين (بيروت: دار الکتب العلمية، 2005) ، ص 24 - 30، و