أشياء أخرى، وظيفة اجتماعية - قانونية عليا بسبب الدور المحوري الذي أذاه في التطور الباكر للشريعة والمساهمة المهمة التي قدمها على طريق ازدهارها المتواصل وقدرتها على التكيف عبر القرون وفي بقاع عديدة من العالم) 94. كان المفتي، كقاعدة عامة، خبيرا قانونيا خاصا مسؤولا قانونيا وأخلاقيا تجاه المجتمع الذي عاش فيه وليس تجاه الحاكم ومصالحه. وكان واجبه الأساس إصدار الفتاوى، أي إجابات قانونية شرعية عن مسائل طرح عليه. وكانت استشارة المفتي مجانية، وهو ما يعني أن النصيحة القانونية كانت متوفرة بسهولة لكل الناس، الفقراء منهم والأغنياء (95) . وكانت المسائل التي طرح على المفتي ترد من أفراد المجتمع أو القضاة الذين يجدون صعوبة في الحكم في بعض القضايا التي يتناولونها (96) . وضروب الإحكام القانونية الأولى التي ظهرت في الإسلام محصلة هذا النشاط في السؤال والإجابة. ومع مرور الوقت، جمعت تلك الإجابات معا وزيدت وصنفت ثم انتقلت جيلا بعد جيل من خلال الذاكرة أو التدوين في كتب الفقه (97) .
كان المفتي، في مواقف واقعية معينة، هو الذي يحدد القانون. ومع أن فتاويه لم تكن ملزمة، فقد أنهت كثيرا من المنازعات في المحاكم، حيث كان يعتبر سلطة قانونية عليا 98). وكانت الفتاوى تعتمد وتطبق في المحاكم بصورة
(95) عن القواعد المنظمة لنشاطات المفتي، انظر: ابن الصلاح، أدب المفتي، و Wala
(94) في الواقع، كان من واجب القاضي استشارة المفتي في المسائل الصعبة، انظر: موفق الذين عبد الله بن أحمد بن قدامة، المغني، 14 ح (بيروت: دار الکتب العلمية، د. ت.) ، ج 11، ص 315 - 1400 علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق علي عادل ومعوض عبد الموجود، ج (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993، ج 9، ص 126 - 127، وعثمان بن عمر بن الحاجب، جامع الأمهات، حققه وعلق عليه أبو عبد الرحمن الأخضري(دمشق: اليمامة للطباعة والنشر، 2000) ، ص 464.