الصفحة 228 من 346

المؤلفين - الفقهاء، فإنه لم يكن يفترض بالقاضي أن يبلغ المستوى ذاته من المعرفة القانونية المتخصصة إلا إذا كان هو نفسه مفتيا أو مؤلفا - فقيها في الوقت ذاته، ومعنى ذلك أنه كان في استطاعة الشخص المفتي أو المؤلف. الفقيه أن يعمل قاضيا، أما القاضي الذي تدرب كقاض فحسب فلم يكن بوسعه أن يعمل مفتا أو مؤلفا ? فقيها (أو مدرضا للفقه) . بيد أن هذا يعني أيضا أن المفتي والمؤلف - الفقيه والقاضي كانوا يقومون بوظائفهم المختلفة تحت سلطة الشريعة وليس تحت سلطة قانون الدولة أو نظام الدولة أو تشريعها. وكانوا يفعلون ذلك في عالمهم الاجتماعي ومن أجل ذلك العالم.

ثمة نقطة أخيرة تجدر الإشارة إليها، ألا وهي العرى الوثيقة التي لا تنفصم بين القانون والمجتمع (ويجب أن نبذل قصارى جهدنا لتجنب عرض الأمر بلغة والنظام الاجتماعية والنظام القانوني، لأن العلاقة التنافذية بين القانون والمجتمع تستعصي على أي تمييز ذي مغزي بينهما) (104) . وفي ما يتعلق بالممارسة القضائية، كان الخصوم والمتقاضون يقفون أمام القاضي من دون مراسم ويعرضون قضاياهم من دون الحاجة إلى وساطة احترافية، إذ ليس في الشريعة محامون. كان المتقاضون يتحدثون بصورة غير رسمية من دون أن يعيقهم أي شيء مما نجده في الضبط الصارم للمحاكم الحديثة (بل إن فكرة ازدراء المحكمة، تلك الفكرة الانضباطية إلى أبعد حد، لم يكن لها وجود) (105) . وكانوا يعرضون قضاياهم كما يعرفون، من دون لغة اصطلاحية. وكان ذلك ممكنا لأنه لم تكن في نظام العدالة الإسلامي فجوة بين المحكمة کهيئة قضائية والمتقاضين، مهما كانوا معدمين اقتصاديا أو محرومين تعليميا. بيد أن غياب تلك الفجوة لا يرجع بالكامل إلى المحكمة والقاضي فحسب،

(104) المقابلة مع الدولة الحديثة هنا مفيدة بشدة، فكما أشار کلسن، لا يوجد سبب لاقتراض وجود نظامين منفصلين، أحدهما خاص بالدولة والآخر بنظامها القانوني، بقول کلسن: ايجب أن تعترف بأن التجمع الذي ندعوه الدولة هو نفسه النظام القانوني الخاص بها. انظر: ,27

إل 4. ami

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت