حيث يجب أن نقر بفضل المتقاضين أنفسهم بالدرجة نفسها. فخلاقا للمجتمع الحديث المعزول عن المجال القانوني بصور عدة، كان المجتمع المسلم ما قبل الحديث مرتبطا بنظام القيم الشرعي بقدر ما كانت المحكمة نفسها متجذرة في العالم الأخلاقي للمجتمع. ومن الملامح البارزة لذلك المجتمع أنه كان يعيش الأخلاق القانونية والقواعد الأخلاقية القانونية، لأنها كانت تشكل الأسس الدينية وسنن السلوك الاجتماعي. ومن الواضح كل الوضوح أن القانون الأخلاقي للمجتمعات الإسلامية ما قبل الحديثة كان ترائا حيا و معيشا.
لما كان القانون ترائا معيشا وحيا، فإن الناس كانوا يعرفون ما القانون. بعبارة أخرى، كانت المعرفة القانونية واسعة الانتشار ومتاحة بفضل المفتين والفقهاء الآخرين الذين كانوا مستعدين لمنحها مجانا وربما في أي وقت أراد ش خص ما الحصول عليها. هكذا، كان المحرومون يعرفون حقوقهم قبل الذهاب إلى المحكمة، وذلك ما يفسر فوزهم في أغلب القضايا التي كانوا مدعين فيها، فمستشاروهم لم يكونوا محامين يتكلمون لغة مختلفة وغير مفهومة، ولا مهنيين نخبويين يتقاضون أجورا مرتفعة تجعل تكلفة التقاضي واسترداد الحقوق في أغلب الأحيان مماثلة لقيمة الأمر الذي بدور حوله التقاضي (106)
نلاحظ نيللي حنا (Nelly Hanna التي درست المحاكم العثمانية في القاهرة أن إجراءات محاكم القاهرة كانت بسيطة وسهلة الفهم. كانوا عموما يصدرون الأحكام ويوثقون الوثائق في اليوم نفسه الذي
قدم فيه القضايا أو الوثائق، وهو ما لا يمكن تصوره اليوم. ويبدو أن الناس كانوا يفهمون حتى المبادئ المحلية للمذاهب الفقهية الأربعة، ما نراه اليوم مجال علم مخيف ومتخصص - كضروب التمييز المتعددة بين المذاهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنيلية في أمور الأحوال الشخصية والمعاملات - يبدو أنها كانت معرفة شائعة في ذلك الوقت. لم يكن من غير المعتاد أن يشتري شخص بيتا في يوم بحسب المذهب الحنبلي، ويتزوج في اليوم التالي يحسب الفقه المالكي أو الشافعي، كان البشر يختارون عن قصد ذاك المذهب الذي يحمي مصالحهم في حالة أو معاملة معينة من خلال تقويم الاختلافات المخصوصة بين المذاهب ا، انظر: * Nelly Hanna
قارن بين هذا وحال المحاكم المدنية في الولايات المتحدة اليوم على سبيل المثال. النظر في هذا.