إذا كانت السلطة التشريعية في الإسلام متجذرة بالكامل في قانون إلهي قائم على أسس اجتماعية (وما من تعارض هنا) ، وإذا كانت الشريعة أسلطة تشريعية مستقلة، فكيف كانت علاقتها بالسلطة القضائية؟ قبل الإجابة عن هذا التساؤل، يجب أن نلاحظ أن الحكم في المنازعات کان مهمة واحدة فقط من المهمات التي كانت تقوم بها محاكم الشريعة وقضاتها. فالقاضي، مثل المفتي، كان عضوا في المجتمع الذي كان يخدمه 108). وقد تدرب على يد أساتذة القانون - المفتين (109) وانتمى إلى طائفة العلماء، وهي الطبقة العلمية الدينية التي نشأت من وسط المراتب الاجتماعية العادية. ويصر القانون الإسلامي نفسه على أن القاضي، كي يكون مؤهلا لمنصبه 110)، يجب أن يتدرب على الشريعة ويكون على ألفة عميقة بالعوائد المحلية وطرائق حياة المجتمع الذي يخدمه (111) . وكان القاضي، بمساعدة أعوانه، مسؤولا عن الإشراف على أمور كثيرة في حياة المجتمع. فكان يشرف على بناء المساجد والشوارع وأسبلة الشرب والجسور، وكان يراقب، هو أو مندوبوه، المباني الجديدة أو التي تهدم، والعمل في المستشفيات، والمطابخ العامة، والأوقاف التي كانت تمثل بين 40 في المئة و 50 في المئة من مجمل الملكية العقارية
(108) حتى القرن السابع عشر في الإمبراطورية العثمانية وبداية القرن التاسع عشر في كل مكان آخر تقريبا، كان القضاة ينتمون، من حيث الأصل الاجتماعي، إلى المنطقة أو المقاطعة التي عقد فيها محاكمهم، وحتى بعد القرن السابع عشر، كان معظم القضاة العثمانيين العاديين الذين غالبا ما يطلق عليهم اسم النواب، يخدمون في مسقط رؤوسهم، ولم يكونوا يتناوبون العمل في أنحاء الإمبراطورية كما كان الحال مع القضاء الأعلى درجة
(109) كانت مؤهلات المفتي العلمية والقانونية على مستوي پسمح له بأن يصبح أستاذ شريعة وفقه. انظر:
(110) عن الصفات التي يجب على الفقيه أن يمتلكها حتي يكون مؤهلا كقاض، بما في ذلك عدالته و استقامته الأخلاقية، انظر: الكاساني، ج 9، ص 493 أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي، تحقيق طارق السيد (بيروت: دار الکتب العلمية، 2004) ، ص 479؛ تقي الدين أبو بكر بن محمد الحسني، كفاية الأخبار في حل غاية الاختصار، 2 مج (سورابايا: مطبعة الهداية زد. ت) ، ص 1267 كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام، شرح فتح القدير، 10 مج (بيروت: دار الفكر، 1990) ، مج 4، ص 255، وابن قدامة، المفتي، ج 11، ص 340 - 384، وعن عدالة موظفي القاضي (موظفو المحكمة، وخاصة الكاتب) ، انظر: ص 425 - 429 من المغني.
(111) ابن قدامة، ج 1، ص 378، وابن الهمام، ج 3، ص 259 - 250.