فهرس الكتاب
وقد يقود الجهل بعض الناس بعيدا عن هذه الحقيقة، ويجعلهم غير قادرين على فهم أهمية الاختبار، مع أنهم يعطون دائما فرصة ثانية للتوبة والعودة إلى الصراط المستقيم).85 وقوانين الطبيعة مصممة لزيادة الخير في هذا العالم واستئصال الشر منه: فالمصلحون مياركون بنعم الله التي تتراوح بين أراضي كثيرة الثمار - تسفيها السماء - إلى العيش السعيد والأهل والأطفال الأصحاء السعداء. وفي الآخرة يحل محل وفرة الأرض والأسرة الطيبة والمحيط الاجتماعي وجود معجز آخر. وبعبارة أخرى، فإن الآخرة أمتداد لهذه الحياة 86) مع وجود اختلاف: فهذه الحياة تظل اختبارا طويلا يسعى إلى إقناع المفسدين والمجرمين بتغيير مساراتهم والتوية، إلا إذا كانوا من عتاة المفسدين الذين لا أمل في توبتهم ويستحقون حكما عاجلا في هذه الحياة الدنيا. من ناحية أخرى، تنتظر الآخرة نتيجة هذا الاختبار، فهي المكان الذي يفرز فيه الناس بصورة نهائية. ونار جهنم هي النظير المتقن للعواصف والزلازل التي دمرت الأمم، التي لا رجاء فيها، بينما تمثل الجنة المثال الأسمى لتحقق الحياة الأرضية السعيدة، هكذا تكون قوانين الطبيعة في كل مكان، فاعلة فعلها في كل من هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة، مع أنها قد تعرض نفسها في أشكال مختلفة بحسب الحاجة. غير أن قوانين الطبيعة، مهما تكن، هي في النهاية قوانين الله الذي صممها ووضعها لتحقيق غرض أخلاقي في هذا العالم. فلا شيء يهم سوى عمل الخير وأن يكون المرء خيرا.
إذا كانت قوانين الطبيعة الإلهية قائمة بصورة أساس، إن لم تكن بصورة كاملة وحصرية، على مبادئ أخلاقية إرادية، فإن الكون يكون عندئذ متشبعا بنسيج أخلاقي ومنسوجا منه، وهو نسيج مصمم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (87) . وتقتضي هذه الإرادية أن تكون هناك معرفة شاملة ومطلقة، هي
85)المصدر نفسه: (سورة المائدة، الآية 39؛ سورة الأنعام، الآية 54، وسورة الفرقان،» الآية 20
(86) يؤكد أيزوتسو أن بنية الدنيا في القرآن تحددها بصورة جوهرية الغاية (الأخروية) الأسمى التي تؤول إليها الدنياه، انظر:
(87) القرآن الكريم: سورة آل عمران، الآيتان 104 و 4110 اسورة التوبة،» الآيات 67، 31 و 112، و اسورة الحج، الآية 41