الصفحة 334 من 346

جزء من قدرة الله غير المحدودة التي خلق بها العالم، يتمثل مسارها وهدفها الأسمى في تطبيق قوانين الطبيعة الأخلاقية. وإذا ما كانت القوانين تتسم بالذكاء، فلا بد أن تكون القوى التي تضعها وتحركها كذلك. وإذا كان من المهم لله أن يكون السميع العليم، فإن ذلك يعود إلى امتلاكه شبكة مراقبة تشمل الوجود بأسره وتطلع على أصغر الأفعال وتقومها، مع أنه يفعل ذلك لا

طبقا للقوانين الأخلاقية فحسب، ولكن أيضا وأساسا لمصلحة النظام الاجتماعي الإنساني.

ولكن ماذا يريد الله بالضبط من عباده؟ ولماذا لا ينفك يحثهم على الإيمان به؟ وما معنى الإيمان بالله أو أن يكون المرء مؤمنا أصلا؟ لقد توصل فقهاء الشريعة إلى إجابات عن هذه الأسئلة، وهو ما يفسر الحقيقة الواضحة التي مفادها أن أخلاق القرآن لم تتغلغل في الشريعة فحسب، بل ش غلتها أيضا. فمن نافلة القول أن الله الصمد والقادر لا يحتاج إلى البشر في الحقيقة مع أنه يشكر (88) لهم أفعالهم الصالحة، ويجب ألا نفهم خطأ هذا الشكر الذي ينبع من حلمه ورحمته على أنه مقابل لأي فضل للبشر عليه. فالله قبل كل شيء هو الرزاق 89) الذي اكرمنا بني آدم، والذي احمل لنا] هم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (90) . وترجع أشكال العيش البشري، بل ووجود البشر ذاته، إليه وإلى رحمته وكرمه اللامتناهيين. وينتظر الله من البشر أن يشكروا نعمه وكل ما خلق لهم ليستمتعوا به ويتنعموا وما لا يحبه الله ليس نكران هذه النعم فحسب، بل كذلك الطغيان (91) . وهؤلاء

الطغاة، والناكرون لنعمه هم الكافرون. وكما أكد إيزوتسو (Izutsu) بصورة مقنعة، فإن المشتقات المفهومية للجذر اللغوي ك ف ر، هي من أكثر مفردات

(88) القرآن الكريم: اسورة البقرة الآية 159؛ سورة النساء، الآية 4147 سورة فاطر، الآية 30، وامورة الإنسان، الآية 22

(89) انظر الهامش التالي

(90) القرآن الكريم: (سورة الإسراء، الآية 30؛ سورة البقرة الآيتان 57 و 172 ء اسورة المائدة، الآية 48؛ سورة الأنعام، الآية 142؛ سورة الأعراف، الآيتان 50 و 160 اسورة الأنفال الآية 26 اسورة النحل، الآيتان 72 و 114، واسورة غافر، الآية 44

(91) القرآن الكريم: سورة الرحمن، الآيتان 3 - 13، و اسورة العلق، الآية 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت