الصفحة 342 من 346

فبصورة أكثر مباشرة، ليس في الشريعة والإسلام ما قبل الحديث بمجمله أي شيء يدعو إلى هذا التمييز مطلقا. وأي زعم بأنه موجود في الشريعة لا يغفل جوهرها كمشروع أخلاقي فحسب، بل يجهل كذلك كلا من نوعية وأهمية التفريق السياسي والقانوني الأوروبي الحديث بين ما هو كائن، واما ينبغي أن يكون» (100، ما يعني الإبحار على سطح هذا التمييز النظامي العميق والذي بات اليوم عالميا.

القانون الحديث النموذجي هو قانون وضعي، وقد حكم أسطورة الإرادة السيادية. أما الشريعة الإسلامية فليست وضعية، بل هي قواعد موضوعية قائمة على مباد دقيقة تعددية بطبيعتها، ومتجذرة في نهاية الأمر في ضرورة مطلقة أخلاقية كونية. وإذا أراد المسلمون اليوم تبني قانون الدولة الوضعي وسيادتها فإن ذلك يعني بلا ش ك قبولا بقانون نابع من إرادة سياسية، أي قانون وضعه أناس يغيرون معاييرهم الأخلاقية بحسب ما تتطلب الظروف الحديثة. كما يعني القبول بأننا نعيش في كوني بارد نملكه ونستطيع أن نفعل به ما نشاء كذلك يعني هذا القبول بأن تنگي جانبا المبادئ الأخلاقية للقرآن والشريعة التي قامت على الأخلاق لقرون، لمصلحة قوانين متغيرة صنعها الإنسان، وأقرت من بين ما أقرت السيطرة على الطبيعة نفسها وتدميرها، وهي التي خلقها الله للبشرية للتمتع بها على أساس المسؤولية الأخلاقية. إن قبول هذا أو رفضه هو سؤال لا يمكن أن يجيب عنه إلا المسلمون أنفسهم. غير أن ما يعنينا هنا - إذا نظرنا إلى الموضوع بروح محايدة - هو أنه ليس لدى المسلمين من الأسباب ما يدفعهم إلى اختيار قانون الدولة الحديثة، لأنهم ما زالوا يتمتعون بثقافية قانونية أصرت لأكثر من اثني عشر قرنا على قانوني ذي بنية نموذجية، أي قانوني أعطاه لخته و شاه مصدر أخلاقي شامل (101)

(100) م 2. Hans kelsen

(101) لا ينبغي لأي من أطروحاتي هنا أن تقسر على أنها تعني أن الحكم الإسلامي لا أمل فيه، فإذا كان لزاما عليه أن يواجه هذا المصير، فإنه بذلك يشاطر الحداثة مصيرها ذاته فحسب, وكما يرهن الفصل الأخير من هذا الكتاب، فإن الشرط الحديث غير قابل للاستمرار ويجب أن يترك ليرحل. ويظل السؤال المفتوح هو ما إذا كانت المرحلة التالية من تاريخ العالم (ما بمي المستقيل) يمكن أن تفسح مجالا للحكم الإسلامي، مع إدراك أن هذا النظام مهتم بالذات الروحية. الأخلاقية والأسرة والمجتمع -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت