الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من حرب واحتلال لأفغانستان والعراق، هي في حد ذاتها تعبير عن أيديولوجيا تدعي السيادة والانتصار على الأيديولوجيات الأخرى. أيديولوجيا تعبر عن نزعات عنصرية وفاشية جديدة تمثل تهديدا حقيقية للإنجازات الرائعة التي حققها الفكر الإنساني عبر مسيرته الطويلة.
مما لا شك فيه أن المواجهات الأيديولوجية التي كانت سائدة طوال فترة الحرب الباردة قد انتهت بصورتها القديمة، أي المواجهة وجها لوجه وسيادة الخطاب الأيديولوجي المباشر، لكن التحول الجديد الذي طرأ خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن المنصرم وحتى الآن هو انفراد ما يمكن أن نسميه بالأيديولوجيا الناعمة بموقع الصدارة في وسائل الإعلام المختلفة. «الأيديولوجيا الناعمة» «softw ideologie» تتمثل في تلك الجرعات اليومية بل اللحظية التي تبثها وسائل الإعلام الحديثة وكذلك الوسائط المتعددة Multimedia وانتشار شبكة الانترنت على المستوى العالمي. هذه الجرعات تتغلغل وتساب إلى عقول المشاهدين والقراء والمستمعين ومستخدمي الوسائط المتعددة والانترنت الخ. بهدوء وبلا ضجيج على عكس ما كان يتم في السابق.
إن المجال مفتوح الآن لعمل دراسات على التوظيف والمضمون الأيديولوجي لكل هذه الوسائل والأدوات وهو ما يقدم له بورديو نموذجا منهجية في هذا الكتاب. إن طريقة التحليل التي يقدمها بورديو هنا يمكن تطبيقها على مجالات أخرى.