الصفحة 184 من 360

أما جوهر عملية التسميم السياسي فيمكن القول انطلاقا من تحديدنا لهذه العملية بأنها تلك التي يراد بها التأثير على العقول والأفئدة عن طريق التلاعب بعناصر التكوين المعنوي، الأمر الذي يمثل قمة التوجيه السياسي أو المعنوي للخصم.

وهي تشمل عمليتين متوازيتين هما

الأولى، زرع أو غرس قيم معينة صحيحة في ذاتها، ثم دفعها تدريجيا في السلم التصاعدي لنظام القيم الفردي أو الجماعي، بحيث ترتفع إلى أعلاه؛ ومن ثم تفرض على القيم المطلقة أو العليا النزول إلى مراتب أقل أهمية.

ولتوضيح ذلك نضرب مثلا، فلنكن أمام ثوابت مجتمعة إزاء قضية محددة، ولتكن قضية مجتمع احتلت أرضه، وبالتالي فإن مطلبه العادل هوتحرير أرضه، وهو يستند ذلك إلى مبادئ مطلقة وثابتة وشرعية تتأسس على مبادئ العدل وحق مقاومة الاحتلال، وقدسية الأرض .. إلخ، وهو منطق ثابت لا يقبل المساومة أو التنازل.

تبدأ عملية التسميم السياسي عبر زرع قيم جديدة لدى طبقات المجتمع المحكوم الطبقة المثقفة والنخبة السياسية .... إلخ، تدور حول ضرورة الاعتراف بالآخر، وقبول التعايش معه في ظل منطق العصر، وضراوة ما يترتب على الحروب من مآس، وأنها ليست حلا لأي مشكلة، ومزايا السلام والتنمية .. إلخ.

هذه القيم الجديدة في حد ذاتها ليست شيئا سيئا، بل تعد أمرا مرغوا فيه، وتمثل في فترة معينة تطلعات المجتمع والإنسان المعاصر، ولكن المشكلة فيما سيأتي بعد.

في مرحلة تالية تتم عملية تضخيم لهذه القيم، وتصعيد تدريجي لها بوعي وعبر وسائل الإعلام والاتصال والتعليم والتنشئة بوجه خاص، وهكذا تتصاعد هذه القيم الجديدة شيئا فشيئا إلى أعلى قمة السلم الهرمي للقيم، وعندئذ تحدث عملية إجلال شعورية ولا شعورية، فإذا بهذه القيم الجديدة تحل محل القيم والثوابت القديمة كمحدد للمواقف، وإطار حاكم ومحوري للسياسات والممارسات المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت