وكانت الحركة تؤصل موقفها مما سبق من سنة تدرج الرسالات من القومية الى العالمية. ومن مرحلية تطور رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) - الذي بعث للناس كافة، ولكنه لم يؤمر بالسياحة في البسيطة قاطبة لينشر الدعوة فيها رقيقة، وانما أوصى في بسط الدعوة بخطاب الاطار المحلي الأقرب فالأقرب - دون تجوز ولا تحيز: عشيرته. فأهل مكة فالعرب، فمن حولهم. وأوصى في تطبيق نظام الدين ببناء المركز الأمكن في المدينة. تقتصر ولابنه على المؤمنين المهاجرين اليه دون غيرهم، وتأسس فيه قاعدة للدين متينة منيعة، ثم تمتد لتوطد في جزيرة العرب قاطبة، ثم تنداح بالدعوة المرسلة سباقة إلى سائر تخوم الأرض تتلوها الفتوح والدولة المتمكنة وتتابع تحت لوائها وولائها الأقوام والأقاليم، بل ان دار الإسلام الوسيعة الموحدة لم تؤسس عن مركزية مطلقة. وإنما روعي فيها تباعد الأقاليم وتباينها، وتركت الأمصار تستقل مذهبا الفقهي دون نمطية رسمية قاهرة، وباستقلال ولاتها وزكواتها مع حفظ مركز الوحدة والأمامة. بل دعت ضرورات الواقع الاقليمي والسياسي أحيانا إلى الاعتراف بمشروعية تعدد الأئمة.
هكذا نجد أن الإيمان الفاعل - وهو الهدف. مقدم على الوحدة التامة. وهي وسيلة موقوفة عليه. وقد يلزم أن ينشق لأجل الايمان ما كان متحدا قبله بين الناس، والوحدة ثمرة من الأيمان فبفضله يتحد ما كان قبلة مفرقا. ولانها وسيلة وثمرة للايمان كانت فرضا وسمة للمؤمنين. فمغزاها أن تنحشد الفعاليات الإيمانية بأوسع مدى في الإمكان وأوقع أثر من التمكن ثم أن تنفتح الاستيعاب سائر أهل التوبة الى الايمان. ثم أهل الفطرة القابلين للايمان من البشر، والحكمة كلها في التوفيق المرحلي بين التمكن الواقعي والوحدة المثالية. فتصويب الخطاب الديني أولا إلى واقع محلي معين أبلغ في الدعوة وتكوين الجماعة الدينية أولا في محيط محدود أحكم في التنظيم، والبدء بأساس من الدعوة المؤثرة والجماعة القوية شرط ضرورة للبناء الاسلامي