الصفحة 50 من 270

بعد أن مضي أكثر من نصف قرن على نشر هذين الكتابين، يمكننا الآن أن نقول إنه على الرغم من أن التنبؤات التكنولوجية مهما كانت دقيقة إلى حد مفزع، فإن التنبؤات السياسية للكتاب الأول (1984) كانت خاطئة تماما، فلقد حل عام 1984 رمضي والولايات المتحدة لا تزال منهمكة في صراع حرب باردة مع الاتحاد السوفيين، ولقد شهد ذلك العام ظهور نموذج جديد من الكمبيوتر الشخصي لشركة آي بي إم، وبداية ما قد أصبح ثورة الكمبيوتر الشخصي، والحق أن الكمبيوتر الشخصي المرتبط بالإنترنت، كما زعم بيتر هوبر، كان هو التحقيق العملي لتلبكرين أورويل، سوى أنه لم يصبح أداة للمركزية والاستبداد، إنما قاد إلى عكس ذلك تماما: دفرطة الوصول إلى المعلومات وإبطال المركزية السياسية، فبدلا من الأخ الأكبر يراقب كل شخص، أصبح للناس أن يستخدموا الكمبيوتر الشخصي والإنترنت في مراقبة الأخ الأكبر بعد أن أجبرت الحكومات في كل مكان على أن تنشر بيانات أكثر عن أنشطتها هي

وفي خلال خمس سنين انهار الاتحاد السوفييتي وإمبراطوريته في سلسلة من الوقائع الدرامية، وقائع، لو أنها حدثت في الأزمنة السابقة لبدت کرواية خيال علمي سياسية. اختفى التهديد الدكتاتوري الذي أثاره أورويل وأبدع في صياغته، ليكتشف الناس بسرعة أن هاتين الواقعتين ليستا منفصلتين: واقعة انهيار إمبراطوريات الاستبداد وواقعة ظهور الكمبيوتر الشخصي - بجانب صور أخرى من تكنولوجيا المعلومات، الرخيصة الثمن، بدءا من التلفزيون والراديو حتى الفاكس والبريد الإلكتروني. يرتكز حكم الاستبداد على قدرته على استمرار احتكاره للمعلومات، فلما أن جعلت تكنولوجيا المعلومات من هذا أمرا مستحيلا، تقوضت سلطة الحكم.

أما البصيرة السياسية للرواية الكبيرة الأخرى (عالم جديد شجاع) فلا نزال تنتظر التقييم. لقد تحقق الكثير مما تصوره هكسلي من تكنولوجيات، والبعض الآخر في سبيله إلى التحقق: الإخصاب خارج الرحم، الأمهات البديلة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت