خلق الخلق كله بقدرته، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (( (( } [1] لكن آدم له ميزة وله خصوصية، أن الله خلقه بيده، هذه ميزة وخصوصية لآدم، هي تشريف له وتكريم له من بين المخلوقات، خلقه الله بيده، وكذلك نفخ فيه من روحه، يعني من الروح التي خلقها.
فالإضافة -إضافة المخلوق إلى خالقه- تقتضي التشريف والتكريم، نفخ فيه من الروح التي خلقها، وأضاف إليه التشريف، كما يقال: عيسى روح الله، روح من الأرواح التي خلقها الله، وكما يضاف الكعبة إلى بيت الله والناقة -ناقة صالح- ناقة الله، إضافة مخلوق إلى خالقه للتشريف والتكريم، كذلك: " ونفخ فيك من روحه " الروح التي خلقها -سبحانه وتعالى- وأضافها إلى نفسه للتشريف، " وأسجد لك ملائكته " هذه كلها خصائص.
يقول: لما التقى آدم وموسى، قال موسى: يا آدم، أنت ميزك الله بهذه المميزات، خصك بهذه الفضائل العظيمة، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، وفي لفظ آخر: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، مع إن الله أعطاك هذه الخصائص، وهذه من غيرة موسى -عليه السلام- يريد يقول: أنت السبب في خروجنا من الجنة، وإلا كان بقينا في الجنة. فقال آدم -عليه الصلاة والسلام-: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، أيضًا ذكر خصائص موسى قال: كلمك الله تكليمًا، كلمه الله من وراء حجاب، من غير واسطة، وخط لك التوراة بيده، وهذا فيه إثبات صفة اليد أيضًا.
الحديث فيه إثبات صفة اليد في موضعين؛ في قول موسى: " خلقك الله بيده " وفي قول آدم: " وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته " فموسى ذكر لآدم ثلاث خصائص، وذكر آدم لموسى ثلاثة خصائص؛ كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (( (( (} [2] قال موسى: بأربعين سنة.
هذا تقدير خاص مأخوذ من القدر السابق، وهو ما كتب في اللوح المحفوظ؛ لأن اللوح المحفوظ مكتوب فيه كل شيء، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي - قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء " والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال الله -تعالى-: " ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " وهو اللوح المحفوظ، وقال -تعالى-: " وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " وهو اللوح المحفوظ، كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، كل ما يكون، في الحديث: " لما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: يا ربي، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء؛ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من الذوات والصفات والحركات والسكون: {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (( (( } [3] .
لكن هذا تقدير مأخوذ من القدر السابق، " فبكم وجدت في كتاب الله: {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (( (( (} [4] قال: بأربعين سنة " هذا تقدير خاص، كما أن الإنسان يُكتب عليه تقدير خاص، له تقدير خاص، التقدير العمري؛ وذلك أنه إذا مضى عليه أربعة أشهر في بطن أمه أرسل الله بالملك، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيا أو سعيدا، وهناك تقدير سنوي، وهو التقدير في ليلة القدر، يقدّر الله ما يكون في تلك السنة من صحة ومرض،
(1) - سورة يس آية: 82.
(2) - سورة طه آية: 121.
(3) - سورة الأنعام آية: 59.
(4) - سورة طه آية: 121.