والذنب والعقاب عن العاصي، وطائفة أخرى -وهم القدرية- طائفة رفعت اللوم والذنب عن العاصي، واحتجوا بالقدر، وطائفة كذبت بالقدر وقالوا: إن الله -تعالى- لم يقدر أفعال العباد، وإنما العباد هم الخالقون لأنفسهم، وهم المعتزلة، قالوا: العباد هم الخالقون لأنفسهم خيرًا أو شرًا، طاعة ومعصية، والله -تعالى- لم يخلق أفعال العباد؛ فلهذا إنما يلام ويعذب على فعله، وقابلتهم الجبرية فقالوا: الإنسان مجبور على أفعاله.
ولهذا علق شيخ الإسلام -رحمه الله- على هذا الحديث، قال: إن هذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت بالقدر لما ظنوا أنه يقتضي لرفع الذنب والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء جعلوا القدر حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوا، وهم والصوفية, الصوفية الذين يسمون أنفسهم أهل الحقيقة، الذين لا يرون أن لهم فعلًا، يلغون أفعالهم ويجعلونها أفعالا لله، ويقولون: إن الإنسان إذا شهد الحقيقة رفع عنه التكليف، وصار لا يؤمر ولا ينهى، وصار من الخاصة الذين تجاوزوا مرتبة العامة، فلا تكليف عليه.
وهذا من أبطل الباطل، من قال: إن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه، ما عدا الحائض والنفساء في الصلاة خاصة، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا؛ ما في أحد يسقط عنه التكليف إلا إذا زال العقل رفع التكليف، كالصبي والشيخ المخرِّف والمجنون، هذا مرفوع عنه القلم، ومن عداه فليس هناك أحد يرفع عنه التكليف، كل واحد مكلف حتى يموت، قال -تعالى-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ (( (( } [1] فمن اعتقد أن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا.
هؤلاء الجبرية وهؤلاء الملاحدة -من الصوفية وغيرهم- يرون أن الإنسان إذا تجاوز مرتبة العامة، وصار من أهل الحقيقة، وألغى صفاته وأفعاله، وجعلها صفات لله؛ سقط عنه التكليف، ويستدلون بقول الله -
(1) - سورة الحجر آية: 99.