هذا من طريقة أهل التمثيل والتكييف والتشبيه، قال: ولا نتأول اليدين على القدرتين؛ هذه طريقة أهل التأويل والتحريف، لا نتأول اليدين على القدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، بعضهم يتأول اليد بالقدرة، واليدين بالقدرتين، اليدان القدرتان أو النعمتان، وهذا من أبطل الباطل كما بين المؤلف رحمه الله.
وتأويل اليد بالقدرة فيه إبطال للخصائص التي خص الله بها بعض مخلوقاته؛ فآدم خصه الله بأن خلقه بيده، فإذا فسرت اليد بالقدرة يكون المعنى: ما خلقت بقدرتي، فتزول الخصيصة، إبليس مخلوق بقدرة الله، فإذا كان إبليس مخلوقا بقدرة الله، وآدم مخلوقا بقدرة الله؛ زال التفضيل لآدم والله -تعالى- فضل آدم لقوله -تعالى-: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [1] وكذلك خط الله التوراة لموسى بيده، فإذا قيل اليد القدرة، خط الله التوراة بقدرته، زالت الخصوصية.
وكذلك أيضا تأويل اليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى؛ لأن التثنية في القدرة والتثنية في النعمة يفسد بها المعنى، لما خلقت بنعمتيّ أو بقدرتيّ، النعم ليست اثنتين، وإنما نعم الله لا تعد ولا تحصى، والنعم -نعم الله- مخلوقة، وأما يداه فهما صفة له - وكذلك القدرة، القدرة صفة أخرى غير اليد، والقدرة واحدة؛ فلا يقال: خلقت بقدرتي، القدرة ليست اثنتين، بل هي قدرة واحدة؛ وبهذا يتبين أن تأويل أهل الباطل لليد بالقدرة أو النعمة تأويل باطل.
كما أن تمثيل وتكييف أهل التمثيل لليد بأيدي المخلوقين، المشبهة من غلاة المشبهة من الشيعة كالبيانية والسالمية -البيانية أتباع بيان بن سمعان التميمي، والسالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي وداود الجوارمي- وغيرهم من غلاة الشيعة من المشبهة، هؤلاء يقول أحدهم: لله يد كيدي، ووجه كوجهي، واستواء كاستوائي. وهذا من أبطل الباطل، وهم من الكفار، من شبه الله بخلقه كفر؛ ولهذا قال أئمة أهل السنة والجماعة: من شبه الله بخلقه كفر، من مثّل الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ذلك تشبيه، هذا مروي عن نعيم بن حماد
(1) - سورة ص آية: 75.