أخبرك ما قال الله لأبيك؟ " عبد الله بن حرام. " قال: بلى، قال: وما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا " يعني ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، يعني من وراء واسطة، و"كلم أباك كفاحًا": يعني مواجهة، ليس بينه حجاب ولا واسطة، هذه منقبة، منقبة لعبد الله بن حرام، أن الله كلمه بدون واسطة. وأما غيره فهم من وراء حجاب، قال لابنه جابر: إن الله ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب إلا أباك فإن الله كلمه كفاحا من دون حجاب.
ما الذي قال الله له؟ قال الله لعبد الله بن حرام: يا عبد الله، تمنَّ عليّ أعطيك، هذه منقبة عظيمة، يقول الله لعبد الله بن حرام: تمنَّ عليّ أعطيك. فقال عبد الله بن حرام: يا رب، تحييني فأُقْتَلُ فيك ثانية، لَمّا رأى فضل الشهادة، وأن الشهادة منزلة عالية، وأن الشهيد له فضل عظيم، تمنى أن يُعاد للدنيا مرة ثانية حتى يُقتل شهيدا مرة ثانية، حتى يضاعف له الأجر، يصير بأجر شهيدين، فقال الله: إنه سبق مني أنهم إليها لا يُرْجَعون، لا يَرْجِعون إلى الدنيا أو لا يُرْجَعون.
وهذا أيضا قاله الشهداء الذين قُتلوا في بعض الغزوات، سألوا الله أن يرجعهم فقال الله: إني كتبت بأنهم إليها لا يُرْجَعون، قال:"فأبلغ من ورائي"، وهذا جاء أيضا في قصة الشهداء، سألوا الله أن يبلغ من ورائهم فأنزل الله - {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (( (( (} [1] .
بَلَّغ الله عن عبد الله بن حرام، وبلغ عن الشهداء، أخبر الله أن حالهم أنهم في عيش طيب، وأنهم أحياء يرزقون عند الله، ليسوا أموات، لا تحسبنهم أنهم أموات، بل هم أحياء، يعني غير الحياة الحقيقية، حياة برزخية، غير الحياة الحقيقية، زالت عنهم الهموم التي في الدنيا، والأكدار والأنكاد، والأمراض والأسقام، والخوف والفتن التي في الدنيا، كل شيء زال عنهم، وتحققوا السعادة الأبدية، ولهذا جاء في الحديث أنه " ما من مسلم يموت يكون له خير عند الله فيود أن يرجع إلى الدنيا " أي مسلم يموت وله منزلة ويرى
(1) - سورة آل عمران آية: 169.