مكانه في الجنة ما يحب أن يرجع إلى الدنيا، إلا الشهيد؛ فإنه يتمنى أن يرجع حتى يُقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة، ما من أحد يموت " ما من مؤمن يموت وله عند الله خير فيود أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد؛ فإنه يود أن يرجع إلى الدنيا مرة أخرى حتى يقتل شهيدا مرة أخرى ".
فالمؤمن إذا رأى ما أعد الله له من الكرامة ما يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، ولا يود أن يرجع إلى الدنيا أبدا؛ لأنه زالت عنه جميع -يعني المكدرات الهموم، والأسقام والأمراض، وخوف الموت والفتن التي في الدنيا- كلها زالت عنه، في الدنيا معرّض للأسقام، معرض للفتن، معرض للهموم، معرض للمصائب وللأمراض، كل شيء هذه كلها زالت عن المؤمن.
والشهداء لهم منزلة عالية عند الله، ولهذا جاء في الحديث، ثبت في الحديث " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وتلج أنهارها وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش " وأما المؤمن غير الشهيد فإن روحه تتنعم وحدها، تأخذ شكل طائر، كما في الحديث الآخر " نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعث ".
أما الشهداء لما بذلوا أجسادهم وأجسامهم لله حتى قُتِلُوا عَوّض الله أرواحهم أجسادا تتنعم بواسطتها، وهي حواصل طير خضر، فكان تَنَعُّم الشهيد أكبر من تنعم المؤمن غير الشهيد، وإن كان كل منهما روحه في الجنة، نعم.
والقرآن كلام الله - ووحيه وتنزيله، والمسموع من القارئ كلام الله - قال الله - {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ (( (( } [1] .
الشهداء حياتهم حياة برزخية، يعني الله -تعالى- قال: {بَلْ (( (( (( (( (( } [2] يعني: حياة برزخية، ولكنهم هم أموات، أموات بالنسبة إلى أهل الدنيا والأحكام، وحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء، حياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء، والله -تعالى- قال لنبيه الكريم: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (( (} [3] أخبر أنه ميت {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (( (( } [4] .
ومع ذلك روحه -عليه السلام- جسده طري لا يبلى، وقال -عليه الصلاة والسلام-: " إن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء " وقال: " ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام ".
وحياة الشهداء حياة البرزخية، وهي أكمل من حياة غير الشهداء، ولكن حياة الأنبياء أكمل منهم، وهل يبقى جسد الشهيد كما يبقى جسد الأنبياء؟ الله أعلم، لكن وُجد بعض الشهداء من تبقى أجسادهم مدة، مدة طويلة لم تبلى، وكأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل كلما كان بقاء جسده أطول، وأما الأنبياء فإن الأرض لا تأكل أجسادهم؛ لأن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء، ومع ذلك فهم ميتون في أحكام الدنيا، وهم أحياء حياة برزخية؛ لأن الحياة أنواع، لأن تعلق الروح بالبدن أنواع، تعلق الروح بالبدن في بطن أمه لها تعلق، ولها تعلق به بعد خروجه من بطن أمه، ولها تعلق به عند الموت، عند النوم، ولها تعلق به بعد الموت في البرزخ، ولها تعلق به بعد البعث، خمس تعلقات، وأكملها تعلق الروح به يوم القيامة؛ لأنه في الدنيا الآن الأحكام على البدن أكثر منها على الروح.
ولهذا يتألم البدن ويتنعّم أكثر من الروح، وفي البرزخ إذا مات الإنسان بالعكس، يكون الألم والنعيم على الروح أكثر، الأحكام على الروح أكثر من الجسد، وفي يوم القيامة سيكون الأحكام على الروح والبدن على حد سواء، فهي أكمل الحالات، وفق الله الجميع لطاعته، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) - سورة التوبة آية: 6.
(2) - سورة البقرة آية: 154.
(3) - سورة الزمر آية: 30.
(4) - سورة الأنبياء آية: 34.