المصحف فهو ينظر كلام الله، كما أن من قرأ فهو يقرأ كلام الله، وكما أن من سمع القارئ فهو يسمع كلام الله، وكما أن من كتب القرآن فهو يكتب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، نعم.
وقال عبد الله بن أبي مليكة:"كان عكرمة بن أبي جهل - رضي الله عنه - يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي - وكلام ربي عز وجل".
نعم، وهذا عبد الله بن أبي مليكة من التابعين -رحمه الله- يقول: كان عكرمة بن أبي جهل، وهو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عمرو المخزومي القرشي، أسلم عام الفتح، وأبلى في حروب الردة بلاءً حسنًا، قيل إنه توفي في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - كان يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول:"كتاب ربي عز وجل"، وهذا اجتهاد منه - رضي الله عنه - وجاء -أظن- في ترجمته ما يدل أنه قد ربما قبَّل المصحف، ويقبِّل المصحف ويقول:"كلام ربي"ويقبله، وهنا فيه أنه يضعه على وجهه، وهذا اجتهاد منه، وهذا اجتهاد منه -رضي الله عنه.
وبعض العامة الآن تجده إذا أخذ المصحف قَبَّله أو وضعه على جبهته، هذا جاء من فعل عكرمة بن أبي جهل، ولم يرد عن النبي - أنه فعل شيئا من ذلك، ولا عن كبار الصحابة أنهم فعلوا شيئا من ذلك، فالأولى ترك ذلك، الوضع على الجبهة أو تقبيله الأولى تركه، المهم العمل به، المهم العمل به، لو قبله الإنسان وما عمل به ما أفاده التقبيل، المهم العمل بهذا القرآن، تنفيذ أحكامه، وتصديق أخباره، هذا هو الذي ينفع الإنسان، يصدق أخباره، وينفذ أحكامه، يمتثل الأوامر ويجتب النواهي، وينزجر بالزواجر، ويتعظ بالمواعظ، ويقف عند حدوده، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه.
هذه هي التلاوة الحقيقية التي تنفع الإنسان، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [1] فالتلاوة نوعان: تلاوة حكمية وتلاوة لفظية، فالتلاوة اللفظية أن تقرأ القرآن، هذه عبادة، لكن التلاوة التي عليها مدار السعادة والشقاوة هي التلاوة الحكمية، وهي تنفيذ أحكامه وتصديق أخباره، هذه التي
(1) - سورة البقرة آية: 121.