فهرس الكتاب
وقد استُدل على ما ذكر ثعلب ومن معه بأمور:
أن البعوضة كأنها الغاية في الصِّغَر فيما تضرب به الأمثال، ويدل عليه ما روي عن قَتَادَةَ ونحوه عن ابْنِ جُرَيْجٍ قال:"الْبَعُوضَةُ أَضْعَفُ مَا خَلَقَ اللَّهُ" [1] فَإِذَا كَانَتْ أَضْعَفَ خَلْقِ اللَّهِ فَهِيَ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَالضَّعْفِ، وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فَوْقَ أَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنْهُ، فالأحسن أن يكون (فما فوقها) : فما أكبر منه [2] .
ألا ترى أنك تقول: يُعْطى من الزكاة الخمسون فما دونها. والدرهم فَمَا فوقه فيضيق الكلام أن تقول: فوقه فيهما. أو دونه فيهما، فهذا الأسلوب لا يحسن إلا في مقام مدح أو ذم، وليست الآية موضعَه [3] .
إنه هو الظاهر، لِجَرَيَانِ (فَوْقَ) عَلَى مَشْهُورِ مَا اسْتَقَرَّ فِيهَا فِي اللُّغَةِ، فلَفْظَ (فَوْقَ) يَدُلُّ عَلَى الْعُلُوِّ، فَإِذَا قِيلَ هَذَا فَوْقَ ذَاكَ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ [4] .
ولعل هذه الأمور تفسر تفضيل ثعلب لهذا القول ووصفه بأنه أجوَد.
(1) جامع البيان (1: 426)
(2) المرجع السابق (1: 430) ومعاني الفراء (1: 20، 21)
(3) معاني الفراء (1: 21)
(4) تفسير الرازي (2: 364) البحر المحيط (1: 199)