فهرس الكتاب
وقد يكون أراد أن قوله تعالى (الذين هادوا) في هذا الموضع يمكن أن يفسر بتفسيرين منفصلين، أحدهما: أنهم من تاب من المؤمنين، والثاني: أنهم اليهود.
وهذا الاحتمال لا نجد ما يمكن أن يدل عليه سوى كلام الفراء سابق الذكر في قوله ردًا على الكسائي:"ويجعله من قوله (إِنَّا هدنا إليك) لا من اليهودية".
ولا نجد من المفسرين من قال إن المقصود هنا غير اليهود.
وهنا أمرٌ متعلق بقول ثعلب:"إنما عدّ أصناف الكَفَرة"نقلا عن الفراء -وقد قلنا أننا لم نجد للفراء هذه العبارة بنصها- فإن المفسرين ذكروا في هذه الآية قولين: هل عدّ في هذه الآية أصناف الكفار فيدخل فيه (الذين آمنوا) فيكون المراد آمنوا بأفواههم وهو المنافقون؟ أو ذكر المؤمنين أولًا ثم عد أصناف الكفار بدأً باليهود، فيكون قوله آخر الآية: (من آمن ... ) أي: حقق الإيمان؟
قولان للمفسرين، وعلى كليهما لم يقل أحد إن (الذين هادوا) يمكن أن يكونوا فريقا من المؤمنين، فالمراد في الاحتمالين هم اليهود قولا واحدا.
وعليه فلو صح الاحتمال الثاني مما يفهم من كلام ثعلب فإنه يبقى مجرد احتمال لغوي لا يؤيده التفسير ولم يقل به أحد، وهذا من المواضع التي يتضح فيها الفرق بين التفسير بمجرد الاحتمال اللغوي والتفسير القائم على أصوله الأخرى، وهو كذلك من المواضع التي رأينا فيها الفراء يصرح بذكر التفسير مقابل المحتمل اللغوي.
ويراجع الباب الأول من هذا البحث لمزيد تفصيل.