فهرس الكتاب
وسبب النهي على هذا المعنى أن في هذه العبارة جفاء وقلة توقير للنبي صلى الله عليه وسلم،"فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالزَّجْرِ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا فِيهِ جَفَاءٌ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِخِطَابِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ أَحْسَنَهَا، وَمِنَ الْمَعَانِي أَرَقَّهَا، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: {رَاعِنَا} لِمَا فِيهِ مِنِ احْتِمَالِ مَعْنَى ارْعَنَا نَرْعَاكَ، إِذْ كَانَتِ الْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: عَاطِنَا وَحَادِثْنَا وَجَالِسْنَا، بِمَعْنَى افْعَلْ بِنَا وَنَفْعَلُ بِكَ، وَمَعْنَى أَرْعِنَا سَمْعَكَ حَتَّى نَفْهَمَكَ وَتَفْهَمَ عَنَّا. فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ وَأَنْ يُفْرِدُوا مَسْأَلَتَهُ بِانْتِظَارِهِمْ وَإِمْهَالِهِمْ لِيَعْقِلُوا عَنْهُ بِتَبْجِيلٍ مِنْهُمْ لَهُ وَتَعْظِيمٍ، وَأَنْ لَا يَسْأَلُوهُ مَا سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْجَفَاءِ وَالتَّجَهُّمِ مِنْهُمْ لَهُ، وَلَا بِالْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، تَشَبُّهًا مِنْهُمْ بِالْيَهُودِ فِي خِطَابِهِمْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [1] .
أما القراءة التي نسبها لابن مسعود وهي (راعنًا) بالتنوين، فقد قال بعدها (أي: كذبًا وسخرية وحمقا) ولكلامه هذا تأويلان:
الأول: أنه قصد تفسير الآية، فمعناها على هذه القراءة لا يكون إلا على تقدير محذوف، أي: لا تقولوا قولًا هذه صفته، وهي الكذب والسخرية والحمق، فكان القول المتضمن لهذه الأوصاف الثلاثة هو القول الذي جاء النهي عنه في هذه الآية على هذه القراءة.
وهذه الأوصاف التي ذكرها هي مما يتضمنه معنى الرعونة في القول، وقد ذكر غيره أن معناها الجهل [2] ، وكل هذه المعاني متلازمة.
(1) جامع البيان (2: 380) وانظر: إعراب القرآن للنحاس (1: 73) والمحرر الوجيز (1: 189)
(2) تفسير الطبري (2: 382) المحرر الوجيز (1: 189)