فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 132

ولا يوجد في هذا نص فكيف يدعي الإجماع ثم التواتر؟ [1]

وقد يقول قائل إن المراد من كلام ابن دقيق العيد هو القول بان العالم يستمد وجوده من ذاته -أي قول الدهريين- فهذا لا اختلاف في تكفيرهم عند المسلمين، حيث انهم ينكرون الصانع. وأما مسألتنا فهي ليست مراده، أو أننا لا نسلّم أنها مجمع عليها أو أنها متواترة قطيعة، بحيث يكفر قائلها. والدليل على ذلك قول الإمام الغزالي نفسه حيث يقول:"وتطابق أهل الحل والعقد على رأي واحد نظري لا يوجب العلم، إلا من جهة الشرع. ولذلك لا يجوز أن يستدل على حدوث العالم بتواتر الأخبار من النظار الذين حكموا به، بل لا تواتر إلا في المحسوسات" [2] .

وفي هذا إشارة إلى ان دليل القاتلين بحدوث العالم انما هو دليل نظري اجتهادي، وليس دليلًا شرعيًا، كما صرح بذلك الإمام الغزالي. وقد يعترض أحدهم بقوله: ما تقول بقوله تعالى (هو الأول والآخر) [3] ، فأقول: إن المراد من المعنى في وصف الله تعالى بالأول لا يتطرق إلى مسألتنا حيث أن معنى الأول في اللغة كما يذكر ذلك الراغب هو الذي لم يسبقه في الوجود شيء، أو الذي لا يحتاج لغيره، أو هو المستغني بنفسه [4] ، ويقول الزمخشري: الأول هو القديم الذي كان قبل كل شيء [5] . ويقول الرازي إن تقدم الباري لا يكون ضمن الأنواع الخمسة المعروفة - بالتأثير والحاجة والشرف والرتبة والزمان- فالعقل يقضي أنه متقدم على كل ما عداه وتقدمه على نوع غير المعاني السابقة وهذا المعنى أو الكيفية لا علم للعقل بها فإن العقل يثبت تقدم الباري على الإجمال دون الإحاطة بحقيقة تلك الأولية فليس عند عقول الخلق منه أثر [6] .

وبالتالي فقضيتنا اجتهادية كذلك فإن لفظ الحديث ليس قبلك شيء لا يمس القضية وإنما يقرر نفي وجود سابق على وجود الله ولا يناقش الوجود التالي أي العالم،

فلفظ القبلية للحديث لا يشمل المسألة وإنما الغيرية والمعية، فهما نص في المسألة مع أن الإمام ابن تيميّة أولهما بمعنى القبلية. فما هو رأي ابن تيميّة؟.

(1) انظر، ابن رشد، محمد، (فصل المقال) ، ص 20.

(2) الغزالي، أبو حامد محمد، (الاقتصاد) ، ص 159.

(3) القرآن الكريم، سورة الحديد، مدنية، آية رقم 3.

(4) الأصفهاني، الراغب الحسين، (المفردات) ، ص 32.

(5) انظر الزمخشري، محمود، (الكشاف) ، ج 4،ص 472.

(6) انظر الرازي، الفخر محمد، (التفسير الكبير) ،ج 29،ص 210 - 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت