لقد تبين لنا مما سبق أن علماء المصطلح قد قعّدوا قواعد دقيقة لضبط السنة النبوية الشريفة وأنهم اشترطوا شروطا ً خمسة لصحة الحديث تتعلق بالراوي والمروي، وأنهم كانوا يتفاوتون أحيانا ً في حكمهم على الراوي الواحد توثيقا ً أو توهينا ً في ضوء المعلومات والبيانات التي يحصلون عليها فيما يتعلق بسيرة ذلك الراوي، إذ نجد أن الراوي الواحد قد يكون ثقة عند قوم وصدوقا ً عند قوم آخرين أو غير ذلك.
ومن الأسباب التي جعلت المحدثين يتفاوتون في الحكم على درجة الحديث الواحد ما يلي:
[1] قبول الراوي لحديث لجهله بوجود علة في سند ذلك الحديث أو في متنه، فقد يكون بالحديث الذي اعتمده علة لم يدركها هو ولكن اكتشفها راوٍ آخر بعد البحث والتقصي. ومن أمثلة العلماء الذين صححوا علة في سند حديث كانت قد خفيت على آخرين الإمام البخاري.
فقد ورد حديث ابن جريج عن موسى [1] بن عقبة عن سهيل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عنه مرفوعا ً: (من جلس مجلسا ً أكثر فيه العظة ... ) ، فقد صحح الإمام البخاري السند بأنه ليس لموسى سماعا ً من سهيل إنما هو وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل. وجاء في فتح المغيث إن هذه العلة كانت قد خفيت على الإمام مسلم - وهو تلميذ
(1) فتح المغيث شرح ألفية الحديث. 3/ 344.