وتأمل- أخي القارئ الكريم- كلام الإمام ابن القيم - رحمه الله- كما في"بدائع التفسير" (2/ 105) ط/دار ابن الجوزي, وهو في"بدائع الفوائد" (2/ 165 - 166) ,فقد قال -رحمه الله-في تفسير قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) :"فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائهم؛ ألا يعدلوا عليهم- مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم, وتكذيبهم لله ورسوله-فكيف يَسُوغ لمن يدعي الإيمان ,أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول, تصيب وتخطئ ,على أن لا يعدل فيهم؟ بل يجرد لهم العداوة, وأنواع الأذى؟!! ولعله لايدري أنهم أولى بالله ورسوله ,وما جاء به ,منه علمًا وعملًا ودعوة إلى الله على بصيرة, وصبرًا من قومهم على الأذى في الله, ولإقامة الحجة لله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل!! لاكمن نصب معالمه ,صادرةً عن آراء الرجال, فدعا إليها, وعاقب عليها, وعادى من خالفها بالعصبية, وحمية الجاهلية ,والله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله"أهـ.
فهل هذا من التمييع أو المنافحة عن أهل الأهواء, يا صاحب الفضيلة؟!! إن كلام ابن القيم هذا حري بأن يُوجَّه لك ولمقلديك حذو القذة بالقذة, فعسى أن ينفعكم الله بهذا, وعسى أن يسلم هؤلاء الأئمة من رميكم إياهم بالتمييع والقول بالموازنات!!!!
والذي يعرف هذه الطائفة؛ يجدهم إذا رأوا رجلًا يمشي مع آخر؛ رموه بعقيدة ذاك الآخر, وأطلقوا ذلك, دون النظر إلى أمور: هل هذا الرجل يعرف ما عند الآخر من معتقد سئ ,أم لا؟ وإذا كان قد أُخبر بذلك؛ فهل ثبت ذلك عنده، أم لا؟ ومن الذي أخبره بذلك؟ هل هو من الغلاة المسرفين, الذين لا يقيمون دليلًا على قولهم ,إلا مجرد التشهير, أم لا؟!! وإذا ثبت ذلك عنده, فهل هو من الذين يُرجى بقربه من ذاك الرجل أن يؤثر عليه بالخير, ولا يتأثر به, أم لا؟ وهل هناك ظروف وقرائن ألجأت هذا الرجل إلا الاقتراب من ذاك الآخر, وهي قرائن معتبرة شرعًا, أم لا؟!! كل هذه الأمور لا يقيمون لها وزنًا. ويطلقون القول بتضليل الأول، بمجرد لقائه بالآخر, أو ما يقوم مقام ذلك!! هذا إذا كان الآخر- حقًا- ضالًا مبتدعًا, وإلا فهم قد يبدعونه أيضًا, لأنه مشى مع فلان, وفلان ذاك يُبدع, لأنه مشى مع فلان, وهكذا, جعلوا أمر التبديع كالتيار الكهربائي, من لمسه صُعق ,ومن لمس المصعوق؛ صُعِق ,ومن لمس المصعوق الثاني؛ صُعق وهكذا!!! مع أن السلف الصالح كان بعضهم يحسن الظن ببعض أهل الأهواء ,وذلك فرع عن عدم معرفتهم لحقيقة كلامهم ,ولوازم إطلاقاتهم ,ولم يكن ذلك مسوغًا للطعن في هؤلاء الفضلاء ,الذين يذبون عن الحق حسب